صلاة الجمعة من كتاب الصلاة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ١٣٠ - الأمر الثاني أدلة القول بوجوب صلاة الجمعة تعيينا مطلقا
إلى هنا وعلى ضوء الأمور الثلاثة التي تعرّضنا لها، اتّضح أنّ المحافظة على الصلاة بمعنى الاهتمام بها بأدائها في أوّل أوقاتها إلّا إذا شُغل الإنسان عنها لعذر أو علّة أي بعمل مهمّ عرفاً بحيث لا ينافي الاشتغال به الاهتمام بالصلاة عرفاً واجب شرعاً إلى جانب وجوب أصل فعله، فتأخير الصلاة عن أوّل وقتها تأخيراً يصدق عليه عدم الاهتمام بشأن الصلاة والاستخفاف بها عنوان مستقلّ للحرمة زائداً على أصل ترك الصلاة.
إذاً، فدعوى كون الأمر بالمحافظة أمراً إرشادياً لا أساس لها، بل الأمر بها أمر مولوي كسائر الأوامر المولوية المتوجّهة إلى الواجبات الشرعية.
الوجه الثاني: لو سلّمنا أنّ الأمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى في الآية أمر إرشادي وليس مولويّاً، لكنّه ليس إرشاداً إلى حكم عقلي، بل هو إرشاد إلى أهمّية حكم شرعي وهو وجوب الصلاة الوسطى؛ والذي يعني وجوب الاهتمام بها بإقامتها في وقتها وعدم جواز تركها بحال لشدّة أهمّيتها وضرورة المحافظة عليها لأجل ذلك، وهذا الاهتمام المدلول عليه بالأمر الإرشادي بالمحافظة ينافي اشتراط وجوب هذه الصلاة بشرطٍ غير متحقّق في كثير من الأوقات إن لم يكن في أكثر الأحوال؛ وهو شرط حضور الإمام المعصوم أو من نصبه؛ إذ يلزم من شرطيّته عدم وجوب هذه الصلاة في كثير من الأحيان أو أكثرها مع أنّها من الصلوات اليوميّة التي من شأنها أن يؤتى بها في كل جمعة، فكيف ينسجم وجوب المحافظة على هذه الصلاة ولزوم الاهتمام بها مع جواز تركها في أكثر الأزمنة والظروف؟!
إذاً، فهذا الأمر رغم إرشاديّته يكشف عرفاً عن عدم اشتراط وجوب صلاة الجمعة بشرط حضور الإمام أو نائبه الخاص؛ لكونه شرطاً أقلّي الوجود.
الوجه الثالث: إنّ الأمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى جاء في سياق الأمر بالمحافظة على سائر الصلوات مع تخصيص الأمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى بأمر مختصّ، دلالة على أهمّيتها البالغة التي تفوق أهمّية سائر الصلوات.
وحينئذٍ، فإذا كان الأمر بالمحافظة على سائر الصلوات يفهم منه عرفاً وجوب إقامتها بمجرّد حلول وقتها وعدم جواز إهمالها وتأخيرها عن أوّل الوقت استخفافاً واستهانةً بشأنها،