كنز الدعاء - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١٤٦ - ج - دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام في وداع الشهر
لِمَزيدِكَ، وفيها كانَت نَجاتُهُم مِن غَضَبِكَ، وفَوزُهِم بِرِضاكَ.
ولَو دَلَّ مَخلوقٌ مَخلوقاً مِن نَفسِهِ عَلى مِثلِ الَّذي دَلَلتَ عَلَيهِ عِبادَكَ مِنكَ، كانَ مَوصوفاً بِالإِحسانِ، ومَنعوتاً بِالامتِنانِ، ومَحموداً بِكُلِّ لِسانٍ، فَلَكَ[١] الحَمدُ ما وُجِدَ في حَمدِكَ مَذهَبٌ، وما بَقِيَ لِلحَمدِ لَفظٌ تُحمَدُ بِهِ، ومَعنىً يَنصَرِفُ إلَيهِ، يا مَن تَحَمَّدَ إلى عِبادِهِ بِالإِحسانِ وَالفَضلِ، وغَمَرَهُم بِالمَنِّ وَالطَّولِ[٢]، ما أفشى فينا نِعمَتَكَ، وأَسبَغَ عَلَينا مِنَّتَكَ، وأَخَصَّنا بِبِرِّكَ، هَدَيتَنا لِدينِكَ الَّذِي اصطَفَيتَ، ومِلَّتِكَ الَّتِي ارتَضَيتَ، وسَبيلِكَ الَّذي سَهَّلتَ، وبَصَّرتَنَا الزُّلفَةَ[٣] لَدَيكَ، وَالوُصولَ إلى كَرامَتِكَ.
اللَّهُمَّ وأَنتَ جَعَلتَ مِن صَفايا تِلكَ الوَظائِفِ، وخَصائِصِ تِلكَ الفُروضِ شَهرَ رَمَضانَ الَّذي اختَصَصتَهُ مِن سائِرِ الشُّهورِ، وتَخَيَّرتَهُ مِن جَميعِ الأَزمِنَةِ وَالدُّهورِ، وآثَرتَهُ عَلى كُلِّ أوقاتِ السَّنَةِ بِما أنزَلتَ فيهِ مِنَ القُرآنِ وَالنّورِ، وضاعَفتَ فيهِ مِنَ الإِيمانِ، وفَرَضتَ فيهِ مِنَ الصِّيامِ، ورَغَّبتَ فيهِ مِنَ القِيامِ، وأَجلَلتَ فيهِ مِن لَيلَةِ القَدرِ الَّتي هِيَ خَيرٌ مِن ألفِ شَهرٍ.
ثُمَّ آثَرتَنا بِهِ عَلى سائِرِ الامَمِ، وَاصطَفَيتَنا بِفَضلِهِ دونَ أهلِ المِلَلِ، فَصُمنا بِأَمرِكَ نَهارَهُ، وُقمنا بِعَونِكَ لَيلَهُ مُتَعَرِّضينَ بِصِيامِهِ وقِيامِهِ لِما عَرَّضتَنا لَهُ مِن رَحمَتِكَ، وتَسَبَّبنا إلَيهِ مِن مَثوبَتِكَ. وأَنتَ المَليءُ بِما رُغِبَ فيهِ إلَيكَ، الجَوادُ بِما سُئِلَت مِن فَضلِكَ، القَريبُ إلى مَن حاوَلَ قُربَكَ.
وقَد أقامَ فينا هذَا الشَّهرُ مُقامَ حَمدٍ، وصَحِبَنا صُحبَةَ مَبرورٍ، وأَربَحَنا أفضَلَ أرباحِ العالَمينَ، ثُمَّ قَد فارَقَنا عِندَ تَمامِ وَقتِهِ وانقِطاعِ مُدَّتِهِ، ووَفاءِ عَدَدِهِ، فَنَحنُ مُوَدِّعوهُ وَداعَ مَن عَزَّ فِراقُهُ عَلَينا، وغَمَّنا وأَوحَشَنَا انصِرافُهُ عَنّا، ولَزِمَنا لَهُ الذِّمامُ المَحفوظُ وَالحُرمَةُ
[١]. في نسخة:« كان محموداً فلك الحمد ...».
[٢]. الطَوْل: الفضل والعلوّ على الأعداء( النهاية: ج ٣ ص ١٤٥).
[٣]. الزلفى: القربى والمنزلة( مجمع البحرين: ج ٢ ص ٧٧٨).