كنز الدعاء - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١٨٣ - ٢٦/ ٦ الدعاء المأثور بعد صلاة العيدين
لايَخيبُ مِنكَ الآمِلونَ، ولايَيأَسُ مِن عَطائِكَ المُتَعَرِّضونَ، ولا يَشقى بِنِقمَتِكَ المُستَغفِرونَ، رِزقُكَ مَبسوطٌ لِمَن عَصاكَ، وحِلمُكَ مُعتَرِضٌ لِمَن ناواكَ.
عَادَتُكَ الإِحسانُ إلى المُسيئينَ، وسُنَّتُكَ الإِبقاءُ عَلَى المُعتَدينَ حَتّى لَقَد غَرَّتهُم أناتُكَ عَنِ النُّزوعِ، وصَدَّهُم إمهالُكَ عَنِ الرُّجوعِ وإنَّما تَأَنَّيتَ بِهِم لِيَفيئوا إلى أمرِكَ، وأَمهَلتَهُم ثِقَةً بِدَوامِ مُلكِكَ؛ فَمَن كانَ مِن أهلِ السَّعادَةِ خَتَمتَ لَهُ بِها، ومَن كانَ مِن أهلِ الشَّقاوَةِ[١] خَذَلتَهُ لَها، كُلُّهم صائِرونَ إلى ظِلِّكَ، وامورُهُم آئِلَةٌ إلى أمرِكَ، لَم يَهِن عَلى طولِ مُدَّتِهِم سُلطانُكَ، ولَم يَدحَض لِتَركِ مُعاجَلَتِهِم بُرهانُكَ.
حُجَّتُكَ قائِمَةٌ لا تَحولُ، وسُلطانُكَ ثابِتٌ لا يَزولُ، فَالوَيلُ الدّائِمُ لِمَن جَنَحَ عَنكَ، وَالخَيبَةُ الخاذِلَةُ لِمَن خابَ مِنكَ، وَالشَّقاءُ الأَشقى لِمَن اغتَرَّ بِكَ، ما أكثَرَ تَصَرُّفَهُ في عَذابِكَ، وما أطوَلَ تَرَدُّدَهُ في عِقابِكَ، وما أبعَدَ غايَتَهُ مِنَ الفَرَجِ، وما أقنَطَهُ مِن سُهولَةِ المَخرَجِ، عَدلًا مِن قَضائِكَ لا تَجورُ فيهِ، وإنصافاً مِن حُكمِكَ لا تَحيفُ[٢] عَلَيهِ، فَقَد ظاهَرتَ الحُجَجَ، وأَبلَيتَ الأَعذارَ وقَد تَقَدَّمتَ بِالوَعيدِ، وتَلَطَّفتَ فِي التَّرغيبِ، وضَرَبتَ الأَمثالَ وأَطَلتَ الإِمهالَ، وأَخَّرتَ وأَنتَ مُستَطيعٌ لِلمُعاجَلَةِ، وتَأَنَّيتَ وأَنتَ مَلِيءٌ بِالمُبادَرَةِ. لَم تَكُن أناتُكَ عَجزاً ولا إمهالُكَ وَهناً ولا إمساكُكَ غَفلَةً، ولا إنظارُكَ مُداراةً، بَل لِتَكونَ حُجَّتُكَ الأَبلَغَ، وكَرَمُكَ الأَكمَلَ، وإحسانُكَ الأَوفى، ونِعمَتُكَ الأَتَمَّ، وكُلُّ ذلِكَ كانَ ولَم تَزَل، وهُوَ كائِنٌ ولا يَزولُ.
نِعمَتُكَ أجَلُّ مِن أن توصَف بِكُلِّها، ومَجدُكَ أرفَعُ مِن أن يُحَدَّ بِكُنهِهِ، ونِعمَتُكَ أكثَرُ مِن أن تُحصى بِأَسرِها، وإحسانُكَ أكثَرُ مِن أن تُشكَرَ عَلى أقَلِّهِ، وقَد قَصَّرَ بِيَ السُّكوتُ عَن تَحمِيدِكَ، وفَهَّهَنِي[٣] الإِمساكُ عَن تَمجيدِكَ، وقُصارايَ السُّكوتُ عَن تَحميدِكَ بِما
[١]. في المصدر:« الشَّقاء»، وما أثبتناه من المصادر الاخرى.
[٢]. الحَيْف: الجور والظلم( النهاية: ج ١ ص ٤٦٩).
[٣]. فَههت: أي عييت. والفَهُّ: الكليل اللسان العَييّ عن حاجته( لسان العرب: ج ١٣ ص ٥٢٥).