مصباح المنهاج / المزارعة و المساقاة - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٤٠٣ - كتاب الوديعة
لكن يصعب إثبات إجماع تعبدي على الأصل المذكور ينهض بالاستدلال بنفسه. ولاسيما بعد ما تقدم من الشيخ من تقديم قول مدعي العارية على قول مدعي الإجارة ووافقه في الغنية وحكي عن بعض متأخري المتأخرين.
فلابد إما من الاستدلال عليه بصحيحي إسحاق بدعوى إلغاء خصوصية موردهما وفهم العموم منهما. وإما من دعوى أن الأصل المذكور عقلائي ارتكازي لابد من العمل عليه ما لم يثبت الردع عنه، ولم يثبت ذلك، بل ثبت الجري عليه في صحيحي إسحاق.
لكن يصعب الأول، بل لا مجال له لو لم يثبت الثاني، حيث يكون الحكم تعبدياً في الصحيحين مخالفاً لمقتضى الأصل النافي للضمان، فيقتصر فيهما على موردهما.
وأما الثاني فهو غير بعيد، لأن احترام المال في نفسه يقتضي عرفاً عدم التعويل على احتمال إسقاط المالك لحرمته في حق الغير، بل لابد من إثبات ذلك. وقد اعترف بذلك سيدنا المصنف (قدس سره) في مسألة اختلاف المالك والعامل في القرض والمضاربة بعد تلف المال.
إلا أنه قال: «لكن الظاهر اختصاصه بصورة دعوى الاستحلال، مثل دعوى الهبة في مقابل دعوى البيع، أو دعوى العارية في مقابل دعوى الإجارة، أما إذا لم يكن استحلال- مثل المقام- فلا دليل على الضمان المذكور، بل الارتكاز لا يساعد عليه. وكذلك مورد مصحح استحقاق المتقدم، فإن الحكم فيه على خلاف الارتكاز، فيقتصر على مورده لا غير».
وكأن مراده بدعوى الاستحلال- بقرينة الأمثلة- ما إذا كان المدعى لغير المالك هو تحليل المال من قبل المالك وهدر حرمته بتمليكه له مجاناً أو تسليطه على إتلافه كذلك، كما في العارية المبنية على بذل المنفعة، بخلاف دعوى الاستئمان- في مثل الوديعة ومال المضاربة- المبني على بقاء احترام المال وإن لم يكن مضموناً على من تحت يده إذا لم يكن تلفه مستنداً إليه.