تفصيل الشريعة- كتاب الطهاره( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٨٦ - الماء الجاري وبيان حقيقته
عليه، فكذلك ثبوت الحكم فيما نحن فيه مع قيد آخر لا ينافي تعليقه على القيد الأوّل، فتدبّر.
وفي المقام نقول: لا يستفاد من تلك الأخبار إلّامجرّد أنّ بلوغ الماء قدر كرّ له دخالة في الاعتصام وعدم التأثّر، ولا ينافي ذلك أنّ اتّصافه بكونه جارياً أيضاً موجباً لعدم الانفعال. نعم، المستفاد من تلك الأخبار أنّ ذلك الحكم لا يكاد يترتّب على طبيعة الماء من دون مدخليّة أيّ قيد؛ لما عرفت من أنّه يلزم أن يكون أخذ القيد لغواً منافياً لشأن المتكلِّم الملتفت المختار.
فانقدح من جميع ذلك أنّ المفهوم لا يصلح لأن يعارض المنطوق أصلًا، وإن شئت فقل: إنّه ليس هناك مفهوم حتى يتّصف بالمعارضة للمنطوق، فلا تعارض بين الأدلّة في المقام، بل الواجب الأخذ بإطلاق أدلّة الماء الجاري، والحكم باعتصام القليل منه أيضاً.
ثمّ إنّه لو قيل بإفادة تعليق الحكم على شرط ونحوه كون ذلك الشرط علّة وحيدة لترتّب الجزاء، وسبباً منحصراً لثبوت الحكم، بحيث ينتفي بانتفائه، ففي مثل المقام يقع التعارض بين الأدلّة، ولا تكون لإحدى الطائفتين حكومة على الاخرى؛ لأنّ الحكومة مرجعها إلى كون دليل الحاكم ناظراً إلى دليل المحكوم، ومفسِّراً له شارحاً إيّاه بحسب الموضوع أو المحمول، أو المراتب المتقدّمة أو المتأخّرة، كما حقّقناه في محلّه [١].
ولا ريب في عدم تحقّق هذا المعنى هنا؛ ضرورة أنّ مقتضى أدلّة الجاري ثبوت حكمه بالإضافة إلى جميع مصاديقه، ومقتضى هذه الأدلّة انفعال الماء
[١] دراسات في الاصول ٢: ٥٦٠، سيرى كامل در اصول فقه ١١: ٩١- ٩٤ و ٩٩- ١٠٠، وج ١٦: ١٩- ٢٠.