سفینة البحار و مدینة الحکم و الآثار - القمي، الشيخ عباس - الصفحة ١٢٣ - الحدود
بيان: كبار حدود الصّلاة و الزكاة و الحجّ و الصوم و الوضوء و الولاية [١].
قوله تعالى: «وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنٰافِعُ» [٢]،فانّ آلات الحروب متّخذة منه،و منافع للناس،إذ ما من صنعة الاّ و الحديد آلتها،قال الرازيّ:انّ مصالح العالم إمّا أصول و إمّا فروع،أمّا الأصول فأربعة:الزراعة،و الحياكة و بناء البيوت، و السلطنة،و ذلك لأنّ الإنسان مضطر إلى طعام يأكله،و ثوب يلبسه،و بناء يسكن فيه،و الإنسان مدنيّ الطبع فلا تتمّ مصلحته الاّ عند اجتماع جمع من أبناء جنسه، ليشتغل كلّ واحد منهم بمهمّ خاصّ،فحينئذ ينتظم من الكلّ مصالح الكلّ،و ذلك الإنتظام لا بدّ و أن يفضي الى المزاحمة،و لا بدّ من شخص يدفع ضرر البعض عن البعض،و ذلك هو السلطان.
و هذه الأصول الأربعة محتاجة الى الحديد كما لا يخفى،فلو لم يوجد الحديد لاختلّ جميع مصالح الدنيا،ثمّ انّ الحديد لمّا كانت الحاجة إليه شديدة،جعله اللّه سهل الوجدان كثير الوجود،و الذهب لمّا قلّت الحاجة إليه جعله عزيز الوجود، و عند هذا يظهر أثر جود اللّه،و رحمته على عبيده،فانّ كل ما كانت حاجاتهم إليه أكثر جعل وجدانه أسهل،و لهذا قال بعض الحكماء:انّ أعظم الأمور حاجة إليه هو الهواء [٣]فانه لو انقطع وصوله الى القلب لحظة مات الإنسان في الحال،فلا جرم جعله اللّه أسهل الأشياء وجدانا،و هيّأ أسباب التنفس و آلاته حتّى إنّ الإنسان يتنفس دائما بمقتضى طبعه،من غير حاجة فيه الى تكلّف عمل،و بعد الهواء الماء،و بعد الماء الطعام،ثمّ تتفاوت الأطعمة في درجات الحاجة و العزّة،فكلّما كانت الحاجة اليه أكثر كان وجدانه أسهل،بخلاف عكسه،و الجواهر لمّا كانت الحاجة إليها قليلة
[١] ق:كتاب الايمان٢١٠/٢٧/،ج:٣٨٧/٦٨.
[٢] سورة الحديد/الآية ٢٥.
[٣] و لنعم ما قيل في هذا المقام:سبحان من خصّ الفلز بعزه و الناس مستغنون عن أجناسه و أذل أنفاس الهوى إذ كلّ ذي نفس لمحتاج إلى أنفاسه.(منه مدّ ظله).