سفینة البحار و مدینة الحکم و الآثار - القمي، الشيخ عباس - الصفحة ١٣٠ - كتاب أبي ذر الى حذيفة(رضي اللّه عنهما)،و جواب حذيفة عنه
و عقبى و السلام .
فكتب إليه حذيفة: بسم اللّه الرحمن الرحيم،فقد بلغني كتابك تخوّفني به و تحذّرني فيه منقلبي و تحثّني فيه على حضّ نفسي،فقديما يا أخي كنت بي و بالمؤمنين حفيّا لطيفا،و عليهم حدبا شفيقا،و لهم بالمعروف آمرا و عن المنكر ناهيا،و ليس يهدي الى رضوان اللّه الاّ هو لا اله الاّ هو،و لا يتناهى من سخطه الاّ بفضل رحمته و عظيم منّه،فنسأل اللّه ربّنا لأنفسنا و خاصّتنا و عامتنا و جماعة أمّتنا مغفرة عامة و رحمة واسعة،و قد فهمت ما ذكرت من تسييرك يا أخي،و تغريبك و تطريدك،فعزّ و اللّه عليّ يا أخي ما وصل إليك من مكروه و لو كان يفتدى ذلك بمال لأعطيت فيه مالي،طيّبة بذلك نفسي،يصرف اللّه عنك بذلك المكروه؛الى أن قال:فكأنّي و إيّاك قد دعينا واجبا و عرضنا على أعمالنا،فاحتجنا الى ما أسلفنا يا أخي،و لا تأس على ما فاتك،و لا تحزن على ما أصابك،و احتسب فيه الخير، و ارتقب فيه من اللّه أسنى الثواب.يا أخي لا أرى الموت لي و لك الاّ خيرا من البقاء، فانّه قد أظلّتنا فتن يتلو بعضها بعضا كقطع الليل المظلم،قد ابتعثت من مركبها، و وطئت في حطامها،تشهر فيها السيوف و ينزل فيها الحتوف،يقتل فيها من اطّلع لها و التبس بها و ركض فيها،و لا يبقى قبيلة من قبائل العرب،من الوبر و المدر،الاّ دخلت عليهم،فأعزّ أهل ذلك الزمان أشدّهم عتوّا،و أذلّهم أتقاهم،فأعاذنا اللّه تعالى و إيّاك من زمان هذه حال أهله فيه،لن أدع الدعاء لك في القيام و القعود، و الليل و النهار،و قد قال اللّه سبحانه و لا خلف لموعوده: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ» [١]فنستجير باللّه من التكبر عن عبادته،و الإستنكاف عن طاعته،جعل اللّه لنا و لك فرجا و مخرجا عاجلا برحمته،و السلام عليك [٢].
[١] سورة غافر/الآية ٦٠.
[٢] ق:٧٧١/٧٩/٦،ج:٤٠٩/٢٢.