وكذلك الأضرار الحاصلة في مجال البيئة كالتلوّث والأصوات المزعجة التي ترتفع في الفضاء ، أو في مجال الاقتصاد كأنواع الحيل الجديدة ، وكذلك ما تتركه المعامل والمصانع من تلوّث وأضرار على البيئة ، وكذلك ما تتركه السفن والبواخر العملاقة من سموم وأضرار وتلوّث في البحار والمياه بسبب نفاياتها السامة ، إلى غير ذلك من مئات الموارد الاُخرى التي غيّرت ملامح حياة الإنسان وعرّضت سلامته الروحية والنفسية والبدنية إلى أخطار جادّة وهامّة .
وفي ضوء ذلك تتضح ضرورة دراسة بحث الضمان وأحكامه وقواعده الفقهية التي يمكن أن تُسهم في الإضاءة على بعض الفراغات البحثية المتروكة أو المصاديق الجديدة في هذا البحث .
أقسام الضمان :
ينقسم الضمان بشكل عام إلى قسمين أساسيين :
الأول : الضمان العقدي .
الثاني : الضمان القهري .
والمراد بالأول : التزام يثبت في الذمة بمخالفة العقد . وهو عند الفقهاء على قسمين :
١ ـ الضمان العقدي بمعناه العام الشامل للكفالة والحوالة أيضاً .
٢ ـ الضمان العقدي بمعناه الخاص الذي يختصّ بالمال عيناً كان أو منفعة .
والمراد بالثاني : ـ وهو الضمان القهري المعبّر عنه في الاصطلاح الحقوقي بالمسؤولية المدنية ـ ضمان الخسائر التي تتوجه إلى الإنسان بصورة عمدية أو غير عمدية ، سواء كان المتسبّب فيها صغيراً أو كبيراً ، بل حتى لو كان حيواناً فإنّ صاحبه يضمن في بعض الحالات .
من المفيد هنا الاشارة الى تعريف الضمان لغة واصطلاحاً :
تعريف الضمان : ١ ـ لغةً : هو كفالة الشيء والتزامه . قال الفيّومي : « ضمنت المال وبه ضماناً فأنا ضامن وضمين : التزمته » [ الفيّومي ، المصباح المنير ، مادة ( ضمن ) ]. وقال الطريحي : « ضمنت الشيء ضماناً : كفلت به ... وضمنت المال : التزمته » [ الطريحي ، مجمع البحرين ، مادة ( ضمن ) ]. وقال ابن منظور : « الضمين : الكفيل ... وضمّنه إيّاه كفّله » [ ابن منظور ، لسان العرب ، مادة ( ضمن ) ]. أصل اشتقاق الضمان : تحسن الإشارة هنا إلى ما ذكره الفيّومي في بيان أصل اشتقاق لفظ الضمان حيث قال : « قال بعض الفقهاء : الضمان مأخوذ من الضمّ ، وهو غلط من جهة الاشتقاق ؛ لأن نون الضمان أصلية ، والضمّ ليس فيه نون ، فهما مادتان مختلفتان » [ الفيّومي ، المصباح المنير ، مادة ( ضمن ) ]. وما ذكره في غاية الأهمية من الناحية الفقهية ؛ وذلك لأنّه قد وقع الخلاف بين فقهاء الفريقين في تعريف الضمان اصطلاحاً ، فذهب أهل السنّة إلى أنّ الضمان من الضمّ ؛ لأنّ المضمون عنه يضمّ ذمّة الضامن إلى ذمّته . بينما يرى الإماميّة أنّه من ضمن أي التزام ذمّة المضمون له . والثمرة في ذلك هي أنّه بناءً على الأول تكون ذمّة كل من الضامن والمضمون عنه مشغولة ، فيجوز للمضمون له الرجوع إلى كل منهما ، وأمّا بناءً على الثاني الذي اختاره الإمامية فإنّه لا يرجع إلا على الضامن دون المضمون عنه . ويتفرّع على هذا البحث بحوث كثيرة في بحث ضمان القروض . وأمّا ضبط الضمان لغة فهو بفتح الضاد كما صرّح به كثير من اللغويين منهم الطريحي في مجمع البحرين ، وإن كان كان الشائع خطاً كسرها . ٢ ـ الضمان اصطلاحاً بالرغم ممّا ذكره الفقهاء في مجال التعريف الاصطلاحي بحيث قد يبدو وقوع الاختلاف بينهم في مقام تحديد تعريف الضمان اصطلاحاً ، إلا أنّه بعد التأمل في كلماتهم نجد أنّ تعريفهم الاصطلاحي هو نفس التعريف اللغوي ، وإنّما الخلاف في بعض التفصيلات وفي لوازم المعنى اللغوي ، فعلى سبيل المثال ذكر المحقق الأصفهاني في تعريفه أنّه : « كون الشيء في ضمن العهدة ... » [ المحقق الأصفهاني ، حاشية المكاسب ١ : ٣٠٨ ] ، وهو نفس المعنى اللغوي . وقال المحقق الخراساني : « الضمان هو اعتبار خاص يترتب عليه آثار تكليفاً ووضعاً » [ المحقق الخراساني ، كاظم ، حاشية المكاسب : ٣٠ ]. والمراد من الاعتبار الخاص هو نفس الالتزام والعهدة التي يلتزمها الضامن تجاه مال الغير ، نعم هذه العهدة والالتزام تارة يكون من الضامن واُخرى من العقلاء . والشاهد على ذلك هو ما ذكره المحقق الخراساني من إنّه لا ضمان في مال نفس الإنسان ؛ لأنّ العقلاء لا يعتبرون المالك ضامناً لأمواله الشخصية . وقال المحقق النائيني في تعريف الضمان : « معنى الضمان كون المال في الذمة ، ومن آثار ثبوت المال في الذمّة الغرامة والخسارة ، لا أنّ الغرامة معناه الحقيقي » [ النائيني ، منية الطالب ١ : ١٤٣ ]. والحاصل : إنّ معنى الضمان عبارة عن كون المال في الذمة ، ومن آثار كونه في الذمة غرامته ، فالغرامة لازم الضمان وليست معناه الحقيقي ، قال الشيخ الأنصاري : « المراد بالضمان في الجملتين هو كون درك المضمون عليه بمعنى كون خسارته ودركه في ماله الأصلي » [ الأنصاري ، المكاسب ٣ : ١٨٣ ]. والمراد بالضمان في الجملتين « قاعدة ما يضمن وعكسها » هو كون تدارك الشيء المضمون في عهدة الضامن بمعنى أن تكون خسارته في مال الضامن . وقد يتبادر من عبارة الشيخ تفسير الضمان بالخسارة دون العهدة ، إلا أنّ الدقة تقتضي خلافه ؛ لأنّ قوله : « كون التدارك عليه » يعني ثبوت التدارك في عهدته ، فالمدلول المطابقي لكلامه هو العهدة ، وقوله : « بمعنى كون خسارته ... » إشارة إلى أحد آثار الضمان ولوازمه ، والشاهد على ذلك هو تصريح المحقق النائيني بكون الخسارة من لوازم الضمان وآثاره لا أنّها هي معناه الحقيقي . وفي ختام هذا العنوان نشير إلى كلام السيد اليزدي في تعريف الضمان وهو أجمع التعاريف في المقام ، حيث قال : « وهو من الضمن ؛ لأنّه موجب لتضمّن ذمّة الضامن للمال الذي على المضمون عنه للمضمون له ، فالنون فيه أصلية ، كما يشهد له سائر تصرّفاته من الماضي والمستقبل وغيرهما ، وما قيل من احتمال كونه من الضمّ فتكون النون زائدة واضح الفساد ؛ إذ مع منافاته لسائر مشتقاته لازمه كون الميم مشدّدة وله إطلاقان : إطلاق بالمعنى الأعم الشامل للحوالة والكفالة أيضاً ، فيكون بمعنى التعهد بالمال والنفس . وإطلاق بالمعنى الأخص وهو التعهد بالمال عيناً أو منفعة أو عملاً ، وهو المقصود » [ اليزدى ، محمد كاظم ، العروة الوثقى ٢ : ٧٥٩ ، ط / قديمة ].