الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٦
و إنما تلك العقليات جهات قيوميته و تكثرات فيضه و جوده من غير اختصاص له بواحد دون واحد و لهذا فرق بين نسبته إلى الأشياء و نسبة سائر العلل إلى معاليلها- بأن كلا منها يلزم معلوله بخصوصه لا يتعداه و الباري لا يلزم شيئا من أنواع العقليات و الحسيات بخصوصه بل هو الناظم للكل و الممسك لرباطها عن الانفصام و الحافظ لها عن الفناء على تفاوت مقاماتها في الوجود و البقاء حيث إن العقليات المحضة تبقى ببقاء الذات الأحدية و الحسيات إنما تبقى بتلاحق الأمثال و الأشباه و بقاء التدرج في الحدوث و تشابك العدم بالوجود.
فقوله إنما قوامها و دوامها بالكون و التناسل أراد بالكون الوجود التدريجي على نعت الاتصال كما في الفلكيات و بالتناسل التعاقب في الكون على نهج الانفصال كما في العنصريات من الطبائع المنتشرة الشخصيات مثل أنواع الحيوان و النبات.
و قال أيضا في الميمر العاشر من كتاب الربوبية لما ابتدعت الهوية الأولى من الواحد الحق وقفت و ألقت بصرها على الواحد ليراه فصارت حينئذ عقلا فلما صارت الهوية الأولى المبتدعة عقلا صارت يحكي أفاعيلها للواحد الحق لأنها لما ألقت بصرها عليه و رأته على قدر قوتها و صارت عقلا أفاض عليها الواحد الحق قوى كثيرة عظيمة- فلما صار العقل ذا قوة عظيمة أبدع صورة النفس من غير أن يتحرك تشبها بالواحد الحق.
و ذلك أن العقل أبدعه الواحد الحق و هو ساكن فكذلك النفس أبدعها العقل- و هو ساكن أيضا لا يتحرك غير أن الواحد الحق أبدع هوية العقل و أبدع العقل صورة النفس في الهوية التي ابتدعت من الواحد الحق بتوسط هوية العقل.
و أما النفس فلما كانت معلولة من معلول لم يقو على أن يعقل فعلها بغير حركة- و هي ساكنة بل فعليته بحركة و أبدعت صنما ما و إنما يسمى صنما لأنه فعل داثر غير ثابت و لا باق لأنه كان بحركة و الحركة لا تأتي بالشيء الثابت الباقي بل إنما تأتي بالشيء الداثر و إلا كان فعلها أكرم منها إذ كان المفعول ثابتا قائما و الفاعل داثرا بائدا