هدى الطالب في شرح المكاسب - المروج الجزائري، السيد محمد جعفر - الصفحة ٢١٥ - ب خروج بيع الدين عن التعريف
و هذا المقدار لا يزاحم الإجماع على جواز بيع الدين على من هو عليه، فيلتزم بالملكية الآنية.
و لكنّك خبير بأنّ منشأ الاشكال أخذ التمليك في البيع، فلو نوقش فيه- كما تقدم في جعل إسقاط الحق عوضا- لم تكن منافاة بين صحة بيع الدين و تأثيره السقوط من أوّل الأمر بعد المناقشة في اعتبار التمليك في البيع، فيكون نفس سقوط الدين عوضا من دون حاجة الى اعتبار سبق ملكية الدين للمديون في سقوطه عنه.
و أمّا تنظيره بالتهاتر فيمكن منعه أوّلا: بالفرق بين البابين، بأنّه في بيع الدين تتّحد الذمة المالكة و المملوكة، و لا بدّ حينئذ من الالتزام بالسقوط، و إلّا يلزم كون الإنسان مديونا لنفسه، و ذا حقّ المطالبة على نفسه. بخلاف باب التهاتر، لتعدد الذمة فيه، و إنّما أوجبت المماثلة بين ما عليهما براءتهما.
و ثانيا: بأنّ التهاتر- فيما إذا أتلف الدائن مماثلا لما له في عهدة المديون- و إن كان مشهورا بين الفقهاء، لكن يمكن منعه بصيرورة كل منهما مديونا للآخر، و يتوقف براءة الذمة على الصلح أو الإبراء كما ذهب إليه المحقق الأردبيلي (قدّس سرّه) حيث قال معلّقا على كلام العلامة:
«و من عليه حقّ، و له مثله تساقطا، و إن كان مخالفا افتقر إلى التراضي» ما لفظه: «لعلّ دليله ما يظهر أنّ الحقّين متساويان من غير فرق و مرجّح، فيبرء ذمة كل واحد بما له في ذمة الآخر، و لا يظهر دليل آخر.
و ينبغي التراضي، لأن شغل الذمة معلوم، و لا تحصل البراءة إلّا به شرعا، إذ لكلّ حقّ يمكن أن يكون له طلبه و استيفاؤه، و لا يمنع من ذلك حقّه في ذمته، كما في الحدود و التعزيرات. و لا شك أنّ الأحوط هو التراضي من الجانبين بالإبراء و الصلح و نحوهما، كما إذا كان مخالفا ..» [١].
و هو في غاية المتانة، إذ لا دليل على أن مجرد المماثلة بين ما في الذمتين يكون مسقطا قهريّا، خصوصا مع تنظيره بباب الحدود و التعزيرات، كما لو قذف شخصان كل منهما الآخر، فإنّ اشتغال الذمة قطعي، و مجرّد المماثلة لا يسقط الحد و لا الاستحلال، فليكن كذلك في
[١]: مجمع الفائدة و البرهان، ج ٩، ص ٩٩