هدى الطالب في شرح المكاسب - المروج الجزائري، السيد محمد جعفر - الصفحة ٥٣٢ - الدليل الخامس حرمة الأكل بالباطل
و أخرى بالمستثنى، بأن يقال: إنّ إطلاق تجويز أكل المال الحاصل بالتجارة يقتضي جوازه بعد الرجوع و الفسخ أيضا، و هذا الإطلاق الأحوالي يكشف عن عدم نفوذ الفسخ، و إلّا لم يكن وجه لجواز الأكل حينئذ.
و ثالثة: بالحصر المستفاد من مجموع الجملتين.
لكن ابتنى السيد (قدّس سرّه) في حاشيته الاستدلال بالحصر على كون الاستثناء متّصلا بأن يقال في تقريب الاتصال: كأنّه قيل: لا تأكلوا أموال الناس إلّا أن تكون تجارة، فإنّ كل أكل باطل نظير قولك: «لا تعبد غير اللّه شركا» أي فإنّه شرك، فيكون المستثنى منه الأموال، و قوله تعالى:
«بِالْبٰاطِلِ» قيدا توضيحيا، و ذكره لبيان علة الحكم، لا احترازيا. أو يقال: انّ المستثنى منه محذوف أي: لا تأكلوا أموال الناس بوجه من الوجوه إلّا بوجه التجارة فإنّ الأكل لا بهذا الوجه باطل [١].
و أنت خبير بما فيه، إذ الكلام في ظهور الآية في كون الاستثناء متّصلا، لا في إمكانه حتى يتكلّف في وجه تصوره بما ذكره. و ما أفاده في وجه الاتصال خلاف الظاهر و تأويل مخالف لفهم العقلاء و لكلمات المفسرين و للروايات الواردة في نزول الآية المباركة، و قد تقدم بعضها كصحيحة زياد بن عيسى، فإنّ ظاهر تلك الروايات كظاهر نفس الآية هو النهي عن الأكل بالسبب الباطل، فالقيد احترازي لا توضيحي، فالاستثناء حينئذ منقطع كقوله تعالى:
لٰا يَسْمَعُونَ فِيهٰا لَغْواً وَ لٰا تَأْثِيماً إِلّٰا قِيلًا سَلٰاماً سَلٰاماً [٢].
و الحاصل: أنّ الاستثناء ليس متصلا أوّلا. و على فرض الاتصال يمكن منع دلالة الآية على الحصر في التجارة ثانيا، لأنّ قوله تعالى «بِالْبٰاطِلِ» تعليل لحرمة الأكل، إذ المتفاهم العرفي منه كون البطلان موجبا لذلك، كما أنّ الظاهر المتفاهم عرفا أنّ استثناء التجارة في مقابل الباطل لكونها حقّا.
و على هذا فالمستفاد حلية الأكل بكل حقّ، و حرمته بكل باطل، فلا يختص الحق
[١]: حاشية المكاسب، ص ٧٤.
[٢] الواقعة، الآية: ٢٥.