هدى الطالب في شرح المكاسب - المروج الجزائري، السيد محمد جعفر - الصفحة ٢٠٢ - المختار في تعريف البيع
فيبقى على خبريّته المجتمع مع الهزل و السخريّة.
فالمتحصل مما ذكرنا: أنّ الإنشاء يوجد معناه إذا كان عن جدّ، و لا ينافيه ما تقدم من معنى الوضع، لأنّا ندّعي أنّ إيجاد الأمور الاعتبارية من المعاني المقصودة بالتفهيم، فوضع الواضع هيئات خاصة لإيجادها، كما أنّ حكاية النسبة- التي لها خارج- من المعاني المقصودة بالتفهيم، فوضع لها هيئات خاصة كالجملة الاسمية. فدعوى إمكان إيجاد اللفظ للمعنى في الإنشاء غير مجازفة، هذا.
هذا كله في الانتصار لما نسب الى المشهور من الإيجاد بمعنى التسبيب.
و استدلّ المحقق النائيني (قدّس سرّه) على مقالته من كون ألفاظ المعاملات موجدة لتلك العناوين الاعتبارية على حدّ إيجاد الآلة لذي الآلة بما حاصله: أنّ العقود و الإيقاعات ليست من باب الأسباب و المسببات و إن أطلق عليها ذلك، بل إنّما هي من باب الإيجاد بالآلة.
و الفرق بين الأسباب و المسببات و بين الإيجاد بالآلة هو: أنّ المسبّب لم يكن بنفسه فعلا اختياريا للفاعل بحيث تتعلق إرادته به أوّلا و بالذات، بل الفعل الاختياري المتعلّق للإرادة هو السبب، فيترتّب عليه المسبب قهرا. و هذا بخلاف باب الإيجاد بالآلة، فإنّ ما يوجد بالآلة كالكتابة باستعانة القلم هو بنفسه فعل اختياري للفاعل و متعلّق إرادته، و يصدر عنه أوّلا و بالذات، ضرورة أنّ الكتابة ليست إلّا عبارة عن حركة القلم على القرطاس بوضع مخصوص، و من المعلوم أنّها بنفسها فعل اختياري صادر عن المكلف أوّلا و بالذات، بخلاف الإحراق، حيث إنّ الصادر عن المكلّف هو الإلقاء في النار لا الإحراق.
و كذا الكلام في سائر ما يوجد بالآلة من آلات النجارة و الصياغة و الخياطة و غير ذلك، فإنّ جميع ما يوجده النجّار مثلا يكون فعلا اختياريّا له، و المنشار و غيره من آلات النّجارة آلة لإيجاده.
و باب العقود و الإيقاعات كلها من هذا القبيل، فإنّ هذه الألفاظ كلّها آلة لإيجاد الملكية و الزوجية و الفرقة و غير ذلك. و ليس البيع مثلا مسبّبا توليديّا لهذه الألفاظ، بل البيع بنفسه فعل اختياري للفاعل تتعلّق إرادته به أوّلا و بالذات و يكون إيجاده بيده [١].
[١]: فوائد الأصول، ج ١، ص ٨١