هدى الطالب في شرح المكاسب - المروج الجزائري، السيد محمد جعفر - الصفحة ٣٧٢ - الدليل الأوّل السيرة
..........
بإخبار الثقة و نحوهما. و المراد بالثانية عمل المتشرّعة بأمر و التزامهم به بما أنّهم متديّنون.
و الفارق بين السيرتين: أنّ اعتبار الاولى يتوقف على إمضاء الشارع لها و لو بعدم الردع، دون الثانية، لكونها إجماعا عمليا متلقاة من الشارع.
و الظاهر أنّ مقصود المصنف (قدّس سرّه) من السيرة هنا هي السيرة العقلائية دون المتشرعية، و ذلك لما سيأتي منه في التشكيك في حجيتها بقوله: «فهي كسائر سيرهم الناشئة عن المسامحة و قلّة المبالاة في الدين ..» و من المعلوم أنّ سيرة المتشرعة لا سبيل للطعن فيها بمثله، و إلّا لم تكن سيرة المتشرعة.
و كيف كان فالاستدلال بالسيرة العقلائية على ترتيب آثار الملك على المعاطاة منوط بأمور ثلاثة لا بدّ من إحرازها:
الأوّل: أصل ثبوت بناء العقلاء على معاملة الملك مع المأخوذ بالمعاطاة.
الثاني: استمرار عملهم من زماننا إلى عهد الشارع و عدم كونه من السير الحادثة.
الثالث: عدم ردع الشارع الأقدس عنه حتى يستكشف إمضاؤه له و تقريره إيّاه.
و هذه الأمور الثلاثة محققة في المقام.
أمّا الأمر الأوّل، فلوضوح استقرار بناء العقلاء على ترتيب آثار الملك على المعاطاة، لتصرفهم في المأخوذ بها بما يكون من شؤون سلطنة المالك خاصة، من جواز بيعه و عتقه و الإيصاء به الى الغير، و توريثه، و وقفه، و التصدّق به، و نحو ذلك من التصرفات التي يتوقف نفوذها على صدورها من المالك أو من يقوم مقامه، و لا تكون مشروعة من المباح له.
و لو كانت المعاطاة مؤثّرة في الإباحة المحضة دون الملك لكانت التصرفات المذكورة غير نافذة شرعا، و أوجب ذلك اختلال نظام المعيشة. و إنكار هذه السيرة مكابرة، فإنّها ثابتة من العقلاء بما هم عقلاء، و من المتشرعة بما هم متشرّعون. فدعوى كون المتيقن من هذه السيرة هو إباحة التصرفات لا الملكية مجازفة.
و أمّا الأمر الثاني: فلأنّ هذه السيرة ليست حادثة في الزمن المتأخر عن عصر الشارع،