نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٦ - سورة آل عمران
و قال في الذين تبؤوا الدار و الإيمان-و هم الأنصار-: يُحِبُّونَ مَنْ هََاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لاََ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حََاجَةً مِمََّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلىََ أَنْفُسِهِمْ [١] . و قال فيمن جاء بعدهم: يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا وَ لِإِخْوََانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونََا بِالْإِيمََانِ [٢] فهذه الآيات تدلّ على أنّه لا ينكر في آية وَ اَلرََّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ أن يكون قوله: يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ حالا لهم؛ مع العلم بتأويل المتشابه؛ و لو أشكل شيء من ذلك لما أشكل قوله: وَ اَلَّذِينَ جََاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا في أنّه موافق لقوله: وَ اَلرََّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ و أنّ الصورتين واحدة.
و ممّا يستشهد به على ذلك من الشعر قول يزيد بن مفرّغ [٣] في عبد له كان يسمّي بردا باعه ثمّ ندم عليه:
و شريت بردا ليتني # من بعد برد كنت هامه [٤]
هامة تدعو صدى # بين المشقّر فاليمامه [٥]
الرّيح تبكى شجوه # و البرق يلمع في الغمامه
فعطف البرق على الريح، ثمّ اتبعه بقوله: «يلمع» ؛ كأنّه قال: و البرق أيضا يبكيه لا معا في غمامه؛ أي في حال لمعانه؛ و لو لم يكن البرق معطوفا على الريح في البكاء لم يكن للكلام معنى و لا فائدة.
و يمكن أيضا على هذا الوجه-مع عطف «الراسخين» على ما تقدّم، و إثبات العلم بالمتشابه لهم-أن يكون قوله: يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ استئنافها جملة، و استغني فيه عن حرف العطف؛ كما استغني في قوله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاََثَةٌ رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ [٦] و نحو ذلك ممّا للجملة الثانية فيه التباس في الجملة الأولى، فيستغنى به عن حرف العطف، و لو عطف بحرف العطف كان حسنا، ينزّل الملتبّس منزلة غير الملتبّس.
[١] سورة الحشر، الآية: ٩.
[٢] سورة الحشر، الآية: ١٠.
[٣] هو يزيد بن ربيعة بن مفرغ؛ و خبر بيعه بردا، مع الأبيات في الأغاني: ١٧/٥٣-٥٥.
[٤] شريت: بعت، و الهامة و الصدى، كلاهما كناية عما تزعم العرب أنه يطير من رأس الميت.
[٥] المشقر: حصن بين البحرين و نجران.
[٦] سورة الكهف، الآية: ٢٢.