نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٢٩ - سورة يونس
و منها: أن يكون الإذن العلم، و معناه إعلام اللّه المكلّفين بفضل الإيمان و ما يدعو إلى فعله، و يكون معنى الآية: و ما كان لنفس أن تؤمن إلاّ بإعلام اللّه لها بما يبعثها على الإيمان، و ما يدعوها إلى فعله.
فأمّا ظنّ السائل دخول الإرادة في محتمل اللفظ فباطل؛ لأنّ الإذن لا يحتمل الإرادة في اللّغة، و لو احتملها أيضا لم يجب ما توهّمه، لأنّه إذا قال: إنّ الإيمان لا يقع إلاّ و أنا مريد له لم ينف أن يكون مريدا لما لم يقع، و ليس في صريح الكلام و لا دلالته شيء من ذلك.
و أمّا قوله تعالى: وَ يَجْعَلُ اَلرِّجْسَ عَلَى اَلَّذِينَ لاََ يَعْقِلُونَ فلم يعن بذلك الناقصي العقول، و إنّما أراد الّذين لم يعقلوا و لم يعلموا ما وجب عليهم علمه من معرفة اللّه خالقهم، و الاعتراف بنبوّة رسله و الانقياد إلى طاعتهم، و وصفهم تعالى بأنّهم لا يعقلون تشبيها؛ كما قال تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [١] ، و كما يصف أحدنا من لم يفطن لبعض الأمور، أو لم يعلم ما هو مأمور بعمله بالجنون و فقد العقل.
فأمّا الحديث الّذي أورده السائل شاهدا له فقد قيل إنّه «عليه و آله السلام» لم يرد بالبله ذوي الغفلة و النقص و الجنون، و إنّما أراد البله عن الشرّ و القبيح، و سمّاهم بلها عن ذلك من حيث لا يستعملونه و لا يعتادونه، لا من حيث فقدوا العلم به. و وجه تشبيه من هذه حاله بالأبله ظاهر، فإنّ الأبله عن الشيء هو الذي لا يعرض له و لا يقصد إليه، فإذا كان المتنزّه عن الشرّ معرضا عنه، هاجرا لفعله جاز أن يوصف بالبله للفائدة التي ذكرناها؛ و يشهد بصحة هذا التأويل قول الشاعر:
و لقد لهوت بطفلة ميّادة # بلهاء تطلعني على أسرارها [٢]
أراد أنّها بلهاء عن الشر و الريبة؛ و إن كانت فطنة لغيرهما؛ و قال أبو النّجم العجليّ:
[١] سورة البقرة، الآية: ١٨.
[٢] الأضداد ص ٢٥٢، و اللسان (بله) -بلا عزو.