نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣٥ - سورة الأعراف
على المدينة في وجوب الإمامة فيما بعد، بل بما بيّناه من مقتضى الخبر و وجه دلالته، فإن أراد صاحب الكتاب بما ادعاه من سبب الاستخلاف استخلاف الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمير المؤمنين عليه السّلام على المدينة فقد بيّنا ما فيه، و إن أراد استخلاف موسى أخاه فقد ذكرنا ما يخصّ هذا الوجه أيضا، و إن كان عامّا للأول من أن السبب لا يقتضي قصر الكلام عليه.
فأما قوله: «إن الاستخلاف في الغيبة يقتضي أنه خليفة في موضع دون موضع» إلى آخر الفصل، فلو سلّمنا اختصاص الاستخلاف في الغيبة على ما ادّعاه مع أنه غير واجب لثبت أيضا ما نريده؛ لأنّه إذا ثبت لهارون بعد أخيه من الإمامة و الخلافة و إن كانتا مخصوصتين ما كان ضائرا لما دلّلنا عليه من قبل، و أوجبه الخبر لأمير المؤمنين عليه السّلام مثل هذه المنزلة، و صحّ ما نقصده؛ لأن الأمة مجمعة على أن كل من وجب له بنص الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعد وفاته إمامة في بعض المواضع فهو الإمام في جميعها على سبيل العموم، فلو لم يكن اللفظ يقتضي ما ذكرناه لكان هذا الاعتبار يقتضيه.
و ربما سئلنا عن نظير هذا السؤال بأن يقال: إنّ هارون إنّما كان خليفة لموسى على بعض قومه دون بعض؛ لأنّه كان خليفة له على ما خلفه و لم يستصحبه، فكيف توجبون بنظير هذه المنزلة الإمامة على جميع الناس.
و الجواب عن ذلك، هو الجواب عن الأول بعينه، و كل هذا الكلام إنما نتكلّفه إذا كان تعلّقنا باستخلاف موسى لهارون عليه السّلام، فأمّا إذا ما رجعنا إلى ما تقتضيه نبوّته من فرض الطاعة و عمومها لجميع المواضع و لسائر أمة موسى على الطريقة التي بيّنا فيما سلف لم يلزمنا شيء من كلامه و لم نحتج إلى أكثر ما تكلّفناه معه.
قال صاحب الكتاب: على أنه يقال لهم: إنّ هارون لو عاش بعد موسى لكان الذي يثبت له أن يكون كما كان من قبل، و قد كان من قبل أن يقوم بهذه الأمور لنبوّته فيجب إذا لم تبطل نبوّته بموت موسى أن يكون له أن يقوم بذلك،