نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣١٢ - سورة الأعراف
المنزلة الواحدة، و أنه لو أراد منازل كثيرة لقال: «أنت منّي بمنازل هارون من موسى» و ذلك أن اعتبار موضع الاستثناء يدلّ على أن الكلام يتناول أكثر من منزلة واحدة، و العادة في الاستعمال جارية بأن يستعمل مثل هذا الخطاب، و إن كان المراد المنازل الكثيرة؛ لأنّهم يقولون: منزلة فلان من الأمير كمنزلة فلان منه، و إن أشاروا إلى أحوال مختلفة و إلى منازل كثيرة، و لا يكادون يقولون بدلا ممّا ذكرناه منازل فلان كمنازل فلان، و إنّما حسن منهم ذلك من حيث اعتقدوا أن ذوي المنازل الكثيرة، و الرتب المختلفة قد حصل لهم بمجموعها منزلة واحدة كأنّها جملة تتفرع على غيرها، فتقع الإشارة منهم إلى الجملة بلفظ الواحدة، و باعتبار ما اعتبرناه من الاستثناء يبطل قول من حمل الكلام على منزلة يقتضيها العهد و العرف، و لأنه ليس في العرف ألاّ تستعمل لفظ منزلة إلاّ في شيء مخصوص دون ما عداه؛ لأنّه لا حال من الأحوال يحصل لأحد مع غيره من نسب و جوار و ولاية و محبّة و اختصاص إلى سائر الأحوال إلاّ و يصح أن يقال فيه: انه منزلة، و من ادعى عرفا في بعض المنازل كمن ادّعاه في غيره، و كذلك لا عهد يشار إليه في منزلة من منازل هارون من موسى عليه السّلام دون غيرها فلا اختصاص بشيء من منازله بعهد ليس في غيره، بل سائر منازله كالمعهود من جهة أنّها معلومة بالأدلة عليها، و كلّ ما ذكرناه واضح لمن أنصف من نفسه.
طريقة أخرى من الاستدلال بالخبر على النص و هي أنه إذا ثبت كون هارون خليفة لموسى على امته في حياته و مفترض الطاعة عليهم، و ان هذه المنزلة من جملة منازله، و وجدنا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم استثنى ما لم يرده من المنازل بعده بقوله: «إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» دلّ هذا الاستثناء على أنّ ما لم يستثنه حاصل لأمير المؤمنين عليه السّلام بعده و إذا كان من جملة المنازل الخلافة في الحياة و ثبتت بعده فقد صحّ وجه النص بالإمامة.
فإن قال: و لم قلتم إنّ الاستثناء في الخبر يدلّ على بقاء ما لم يستثن من المنازل و ثبوته بعده.
قيل له: لأنّ الاستثناء كما من شأنه إذا كان مطلقا أن يوجب ما لم يستثن