نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٨٣ - سورة الأنعام
قلنا: ظاهر الآية يقتضي ذلك، و إنّما أدخلناه فيمن تجوز ذبائحه بدليل؛ و لأنّ الصبي و إن لم يكن عارفا فليس بكافر، و لا معتقد أنّ إلهه غير من يستحقّ العبادة على الحقيقة، و إنّما هو خال من المعرفة، فجاز أن يجري مجرى العارف متى ذبح و تلفّظ بالتسمية و هذا كلّه غير موجود في الكفار.
فإن اعترض علينا بقوله تعالى: اَلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّبََاتُ وَ طَعََامُ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعََامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [١] و ادّعي أنّ الطعام يدخل فيه ذبائح أهل الكتاب، فالجواب عن ذلك أيضا أنّ أصحابنا يحملون قوله تعالى: وَ طَعََامُ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعََامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ على ما يملكونه ممّا يؤكل من حبوب و غيرها، و هذا تخصيص لا محالة؛ لأنّ ما صنعوه طعاما من ذبائحهم يدخل تحت اللفظ و لا يجوز إخراجه إلاّ بدليل.
فإذا قلنا: تخصيصه بقوله تعالى: وَ لاََ تَأْكُلُوا مِمََّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اَللََّهِ عَلَيْهِ .
قيل لنا: ليس أنتم بأن تخصّوا آيتنا بعموم آيتكم أولى منّا إذا خصصنا الآية التي تعلّقتم بها بعموم ظاهرها بالآية التي استدللنا بها.
و الذي يجب أن يعتمد في الفرق بين الأمرين أنّه قد ثبت وجوب التسمية على الذبيحة، و أنّ من تركها عامدا لا يكون مذكيا، و لا يجوز أكل ذبيحته على وجه من الوجوه، و كلّ من ذهب إلى هذا المذهب من الأمّة يذهب إلى تخصيص قوله تعالى: وَ طَعََامُ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ حِلٌّ لَكُمْ و أنّ ذبائحهم لا تدخل تحته، و التفرقة بين الامرين خلاف الاجماع، و لا يلزم على ما ذكرناه أنّ أصحاب أبي حنيفة [٢] يوافقونا على وجوب التسمية و إن لم يخصصوا بالآية الاخرى؛ لأنّا اشترطنا إيجاب التسمية مع الذكر على كلّ حال، و عند أصحاب أبي حنيفة جائز أن يترك التسمية من أدّاه إجتهاده إلى ذلك، أو استفتى من هذا حاله، و الإمامية يذهبون إلى أنّ التسمية مع الذكر لا تسقط في حال من الأحوال.
فإن قيل: على هذه الطريقة التي نعتمدها من الجمع بين المسألتين ما أنكرتم
[١] سورة المائدة، الآية: ٥.
[٢] اختلاف الفقهاء (للطحاوي) ، ١: ٦٢.