نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٧٠ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
الأحوال على وجه من الوجوه و بدليل من الأدلة، و القديم تعالى و إن لم يوصف بأنّه وليّنا بمعنى إقامة الحدود علينا، فهو يوصف بذلك بمعنى أنه أملك بتدبيرنا و تصريفنا، و أن طاعته تجب علينا، و هذا المعنى هو الذي يجب للرسول و الإمام، و يدخل تحته إمضاء الحدود و الأحكام و غيرها؛ لأن إمضاءها جزء مما يجب طاعته فيه، غير أن ما يجب للّه تعالى لا يصحّ أن يقال: إنّه مماثل لما يجب للرسول و الإمام بالاطلاق؛ لأن ما يجب له عز و جل آكد مما يجب لهما من قبل أن ما يجب لهما راجع إلى وجوب ما وجب له عز و جل، و لو لا وجوبه لم يجب.
و قول صاحب الكتاب: «لا يقال ذلك في الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم» طريف؛ لأنا لا نعلم مانعا من أن يقال ذلك في الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو أحد ما يجب طاعته فيه، و كيف لا يقال؟و نحن نعلم أن الإمام بعد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم خليفة له و قائم فيما كان يتولاه و يقوم به مقامه، و إذا كان إلى الإمام إقامة الحدود و إمضاء الأحكام، فلا بدّ أن يكونا إلى من هو خليفة له و قائم فيها مقامه.
و ليس له أن يقول: إنما عنيت ان الرسول لا يوصف بإمضاء الحدود و إقامة الأحكام على الحدّ الذي يوصف به الإمام، و لم أرد أنه لا يوصف بهما أصلا؛ لأنّه لا مانع من أن يوصفا جميعا بما ذكره على حدّ واحد من قبل أن المقتضي له فيهما واحد، و هو فرض الطاعة؛ و إن كانا يختلفان من حيث كان أحدهما نبيّا و الآخر إماما، و ليس لاختلافهما من هذا الوجه مدخل فيما نحن فيه.
فأمّا حمله لفظة «وليّ» على معنى التولّي في الدين المذكور في الآية الثانية [١] فغير صحيح؛ لأنّه غير ممتنع أن يخبر تعالى بأنه وليّنا و رسوله و من عناه ب اَلَّذِينَ آمَنُوا ثمّ يوجب علينا في الآية الثانية توليهم و نصرتهم، و يخبرنا بما لنا فيهما من الفوز و الظفر، و إذا لم يمتنع ما ذكرناه و كنا قد دلّلنا على وجوب تناول الآية الأولى لمعنى الإمامة فقد بطل كلامه.
قال صاحب الكتاب-بعد أن ذكر شيئا قد مضى الكلام عليه «و قد ذكر
[١] و هي قوله تعالى: وَ مَنْ يَتَوَلَّ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْغََالِبُونَ [المائدة: ٥٦].