نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩٢ - سورة النّساء
لم يجب أن يفهم من إطلاق لفظه إيجاب اتباع طريقته، و لو لا أن الأمر فيما تقدّم على ما قلناه دون ما ادّعاه صاحب الكتاب من أنّ غير سبيل المؤمنين بمنزلة الخروج عنها، لوجب فيمن قال لغيره: لا تضرب غير زيد، ثم قال: و لا زيدا، أن يكون مناقضا في كلامه من حيث كان قوله: لا تضرب غير زيد إيجابا لضربه، و قوله: و لا زيدا حظرا لذلك و في العلم بصحّة هذا القول من مستعمله، و أنه غير جار مجرى قوله: «اضرب زيدا و لا تضربه» دلالة على استقامة تأويلنا للآية.
فأمّا قوله في الاستدلال على أنّ في جملة الأمّة مؤمنين في كلّ عصر: «أن نفس الظاهر يقتضي إثبات مؤمنين يصحّ أن يتبع سبيلهم، لأنّه لا يصحّ أن يتوعّد اللّه تعالى توعّدا مطلقا على العدول عن اتّباع سبيل المؤمنين إلاّ و ذلك يمكن في كلّ حال و لا يصح دخوله في أن يكون ممكنا إلاّ بأن يثبت في كلّ عصر جماعة من المؤمنين، [و في هذا اسقاط السؤال [١] ]يبيّن ذلك أنه كما توعّد على العدول عن اتباع سبيلهم فكذلك توعّد على مشاقة [٢] الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، فإذا وجب في كلّ حال صحّة المشاقة ليصحّ الوعيد المذكور، فكذلك يجب أن يصحّ في كلّ حال اتّباع سبيلهم، و العدول عنها» [٣] فليس يجب من حيث توعّد اللّه تعالى توعّدا مطلقا على العدول عن اتّباع سبيل المؤمنين ثبوت مؤمن [٤] في كلّ عصر، و إنّما تقتضي الآية التحذير من العدول عن اتباعهم إذا وجدوا، و يمكن من اتّباعهم و تركه.
و لسنا نعلم من أيّ وجه ظنّ أن التوعّد على الفعل يقتضي إمكانه في كلّ حال!
و ليس هذا مما تدخل فيه عندنا شبهة على متكلّم، و نحن نعلم أنّ البشارة نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلم قد تقدّمت على لسان من سلفت نبوّته كموسى و عيسى عليهما السّلام و غيرهما، و قد أمر اللّه تعالى اممهم باتّباعه و تصديقه، و أشار لهم إليه بصفاته
[١] ما بين المعقوفتين من المغني.
[٢] المشاقة: الخلاف.
[٣] المغني ١٧: ١٦٧ و ١٦٨.
[٤] المؤمنين، خ ل.