نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩ - سورة آل عمران
- رَبَّنََا لاََ تُزِغْ قُلُوبَنََا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنََا وَ هَبْ لَنََا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ اَلْوَهََّابُ [آل عمران: ٨].
[إن سأل سائل]فقال: أ و ليس ظاهر الآية يقتضي أنّه تعالى يجوز أن يزيغ القلوب عن الإيمان حتى تصحّ مسألته تعالى ألاّ يزيغها، و يكون هذا الدعاء مفيدا؟.
الجواب: قلنا في هذه الآية وجوه:
أوّلها: أن يكون المراد بالآية: ربّنا لا تشدّد علينا المحنة في التكليف، و لا تشقّ علينا فيه، فيفضى بنا ذلك إلى زيغ القلوب منّا بعد الهداية؛ و ليس يمتنع أن يضيفوا ما يقع من زيغ قلوبهم عند تشديده تعالى عليهم المحنة إليه؛ كما قال «عزّ و جلّ» في السورة: إنّها [١] زادتهم رجسا إلى رجسهم، و كما قال مخبرا عن نوح عليه السّلام: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعََائِي إِلاََّ فِرََاراً [٢] .
فإن قيل: كيف يشدّد عليهم في المحنة؟.
قلنا: بأن يقوّي شهواتهم، لما قبحه في عقولهم، و نفورهم عن الواجب عليهم، فيكون التكليف عليهم بذلك شاقّا، و الثواب المستحقّ عليهم عظيما متضاعفا و إنّما يحسن أن يجعله شاقّا تعريضا لهذه المنزلة.
و ثانيها: أن يكون ذلك دعاء بالتثبيت لهم على الهداية، و إمدادهم بالألطاف التي معها يستمرّون على الإيمان.
فإن قيل: و كيف يكون مزيغا لقلوبهم بألاّ يفعل اللّطف؟
قلنا: من حيث كان المعلوم أنّه متى قطع إمدادهم بألطافه و توفيقاته زاغوا و انصرفوا عن الإيمان. و يجرى هذا مجرى قولهم: اللّهم لا تسلّط علينا من لا يرحمنا؛ معناه لا تخلّ بيننا و بين من لا يرحمنا فيتسلّط علينا؛ و مثله قول الشاعر:
[١] الضمير يعود إلى المحنة؛ و الآية في سورة التوبة: ١٢٥: وَ أَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزََادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ .
[٢] سورة نوح، الآية: ٦.