نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٨٩ - سورة النّساء
«و لا يتّبع غير سبيل المؤمنين» ، و هذا بيّن في التعارف؛ لأنّ أحدنا لو قال لغيره:
من أكل غير طعامي فله العقوبة، فالمتعارف من ذلك أن أكل طعامه مخالف لذلك، و أنّ العقوبة إنّما تتعلّق بخروجه عن أن يكون آكلا لطعامه» [١] فغير صحيح؛ لأنّ «غير» -هاهنا-ليس بواجب أن يكون بمعنى «إلاّ» الموضوعة للاستثناء، بل جائز أن تكون بمعنى: خلاف، فكأنّه تعالى قال: لا يتّبع خلاف سبيل المؤمنين [٢] و ما هو غير لسبيلهم، و لم يرد: لا يتّبع إلاّ سبيلهم، و معرفة الغير المحظور و اتباعه و إن كانت لا تتمّ إلاّ بمعرفة سبيلهم على ما ذكر، فغير ممتنع أن يكون حكمه موافقا لحكم اتباع سبيلهم في الحظر، و لا يجب أن يكون واجبا من حيث كان الأول محظورا، و كانت معرفته لا تتم إلاّ بمعرفته، و قد أصاب في قوله: «لا فرق بين ذلك و بين أن يقول: «و لا يتبع غير سبيل المؤمنين» غير أنّه ظنّ أنّه لو استعمل هذا اللفظ لفهمنا منه ما ادّعاه من اتباع سبيلهم، و ليس الأمر كما ظنّ، بل التأويل الذي تأوّلناه و دلّلنا على احتمال اللفظ الأوّل له قائم في الثاني، و حكم المثل الذي ضربه أيضا هذا الحكم؛ فإنّ من قال: لا تأكل غير طعامي، أو من أكل غير طعامي عاقبته، لا يفهم من ظاهر لفظه و مجرّده إيجاب أكل طعامه، بل المفهوم حظر أكل ما هو غير لطعامه، و حال طعامه في الحظر[أو]الإباحة أو الإيجاب موقوفة على الدليل، و أقلّ أحوال هذا اللفظ عند من ذهب إلى أن لفظة «غير» مشتركة بين الاستثناء و غيره و أن ظاهرها لا يفيد أحد الأمرين، أن يكون محتملا لما ذكرناه من حظر أكل غير طعامه و محتملا لإيجاب أكل طعامه، و وضع لفظة «غير» مكان لفظة «إلاّ» و إنّما يفهم في بعض المواضع عن مستعمل هذا اللفظ إيجاب أكل طعامه لا بمجرد اللفظ، بل بأن يعرف قصده إلى الإيجاب، أو لغير ذلك من الدلائل المقترنة [٣] إلى اللفظ، و لو لا أن الأمر على ما ذكرناه لما حسن أن يقول القائل: من أكل غير طعامي عاقبته، و من أكل طعامي-أيضا-عاقبته، و كان يجب أن يكون نقضا
[١] المغني ١٧: ١٦٢.
[٢] في نسخة: أو.
[٣] في نسخة: المضمومة.