نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٧٣ - سورة يوسف
على أنّه لو كان للكلام ظاهر يقتضي خلاف ما ذكرناه-و إن كنا قد بيّنا أن الأمر بخلاف ذلك-لجاز أن نعدل عنه و نحمله على خلاف الظاهر، للدليل العقلي الدالّ على تنزيه الأنبياء عليهم السّلام عن القبائح.
فإن قيل: الكلام في قوله تعالى: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهََا خرج مخرجا واحدا. فلم جعلتم همّها به متعلقا بالقبح؟و همّه بها متعلقا بالضرب و الدفع على ما ذكرتم؟
قلنا: أمّا الظاهر، فلا يدلّ على الأمر الّذي تعلّق به الهمّ و العزم منهما جميعا، و إنّما أثبتنا همّها به متعلّقا بالقبيح لشهادة الكتاب و الآثار بذلك، و هي ممّن يجوز عليها فعل القبيح، و لم يؤمن دليل[من امتناعه عليها] [١] ، كما أمن ذلك فيه عليه السّلام، و الموضع الذي يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى: *وَ قََالَ نِسْوَةٌ فِي اَلْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ تُرََاوِدُ فَتََاهََا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهََا حُبًّا إِنََّا لَنَرََاهََا فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ [٢] و قوله تعالى: وَ رََاوَدَتْهُ اَلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهََا عَنْ نَفْسِهِ [٣] و قوله تعالى حاكيا عنها اَلْآنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُّ أَنَا رََاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصََّادِقِينَ [٤] .
و في موضع آخر: قََالَتْ فَذََلِكُنَّ اَلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَ لَقَدْ رََاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ [٥] .
و الآثار واردة بإطباق مفسري القرآن و متأوليّه، على أنّها همّت بالمعصية و الفاحشة، و أمّا هو عليه السّلام فقد تقدّم من الأدلة العقلية ما يدلّ على أنّه لا يجوز أن يفعل القبيح و لا يعزم عليه. و قد استقصينا ذلك في صدر هذا الكتاب [٦] . فأمّا ما يدلّ من القرآن، على أنّه عليه السّلام ما همّ بالفاحشة و لا عزم عليها فمواضع كثيرة:
منها: قوله تعالى: كَذََلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ اَلسُّوءَ وَ اَلْفَحْشََاءَ [٧] .
و قوله تعالى: ذََلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [٨] . و لو كان الأمر كما قال
[١] ما بين المعقوفتين من الأمالي، ١: ٤٥٤.
[٢] سورة يوسف، الآية: ٣٠.
[٣] سورة يوسف، الآية: ٢٣.
[٤] سورة يوسف، الآية: ٥١.
[٥] سورة يوسف، الآية: ٣٢.
[٦] تقدّم في المقدّمات.
[٧] سورة يوسف، الآية: ٢٤.
[٨] سورة يوسف، الآية: ٥٢.
غ