نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٦٦ - سورة يوسف
و الجواب: يقال له: أمّا كَذِبٍ فمعناه مكذوب فيه و عليه، مثل قولهم:
هذا ماء سكب و شراب صبّ؛ يريدون مصبوبا و مسكوبا؛ و مثله: ماء غور، و رجل صوم، و امرأة نوح، قال الشاعر:
تظلّ جيادهم نوحا عليهم # مقلّدة أعنّتها صفونا [١]
أراد بقوله: «نوحا» أي نائحة عليهم، و مثله: «ما لفلان معقول» يريدون عقلا، و «ما له على هذا الأمر مجلود» يريدون جلدا، قال الشاعر:
حتّى إذا لم يتركوا لعظامه # لحما و لا لفؤاده معقولا
و أنشد أبو العبّاس ثعلب:
قد و الذي سمك السّماء بقدرة # بلغ العزاء و أدرك المجلود
و قال الفرّاء و غيره: يجوز في النحو: «بدم كذبا» بالنصب على المصدر؛ لأنّ «جآءوا» فيه معنى كذبوا كذبا، كما قال تعالى: وَ اَلْعََادِيََاتِ ضَبْحاً [٢] فنصب ضبحا على المصدر؛ لأنّ العاديات بمعنى الضابحات، و إنّما كان دما مكذوبا فيه؛ لأنّ إخوة يوسف عليه السّلام ذبحوا سخلة، و لطخوا قميص يوسف بدمها، و جاؤوا أباهم بالقميص، و ادّعوا أكل الذئب له، فقال لهم يعقوب: يا بنيّ، لقد كان هذا الذئب رفيقا حين أكل ابني، و لم يخرّق قميصه؛ قالوا: بل قتله اللصوص، قال: فكيف قد قتلوه و تركوا قميصه، و هم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله!و قد قيل: إنّه كان في قميص يوسف ثلاث آيات: حين قدّ قميصه من دبر، و حين ألقي على وجه أبيه فارتدّ بصيرا، و حين جاؤوا عليه بدم كذب؛ فتنبّه أبوه على أنّ الذئب لو أكله لخرق قميصه [٣] .
[١] صفونا: جمع صافن؛ و الصافن من الخيل: القائم على ثلاث قوائم، و قد أقام الرابعة على طرف الحافر، و البيت لعمرو بن كلثوم، من المعلقة، و روايته فيها:
تركنا الخيل عاكفة عليه # مقلّدة أعنّتها صفونا
(و انظر المعلقات-بشرح التبريزي: ٢١٧) .
[٢] سورة العاديات، الآية: ١.
[٣] في حاشية بعض النسخ: قال السيد المرتضى رضى اللّه عنه: و قد قرئ: «دم كدب» و هو الدم المسفوح» .
غ