نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٤٧ - سورة هود
و سادسها: ما أومى إليه أبو علي الجبّائيّ في تفسير هذه الآية؛ لأنّه قال:
«أراد بقوله: وَ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ أي أقيموا على التوبة إليه؛ لأنّ التائب إلى اللّه تعالى من ذنوبه يجب أن يكون تائبا إلى اللّه في كل وقت يذكر فيه ذنوبه بعد توبته الأولى؛ لأنّه يجب أن يكون مقيما على الندم على ذلك، و على العزم على أن لا يعود إلى مثله؛ لأنّه لو نقض هذا العزم لكان عازما على العود، و ذلك لا يجوز؛ و كذلك لو نقض الندم لكان راضيا بالمعصية مسرورا بها و هذا لا يجوز» و قد حكينا ألفاظه بأعيانها. حمله على هذا الوجه أنّه أراد التكرار و التأكيد و الأمر بالتوبة بعد التوبة، كما يقول أحدنا لغيره: «اضرب زيدا ثم اضربه» «و افعل هذا ثم افعل» .
و هذا الّذي حكيناه عن «أبي عليّ» اولى ممّا ذكره في صدر هذه السورة؛ لأنّه قال هناك: وَ أَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [١] إنّ معناه استغفروا ربكم من ذنوبكم السالفة ثمّ توبوا إليه بعد ذلك من كل ذنب يكون منكم أو معصية. و هذا ليس بشيء؛ لأنّه إذا حمل الاستغفار المذكور في الآية على التوبة فلا معنى لتخصيصه بما سلف دون ما يأتي؛ لأنّ التوبة من ذلك أجمع واجبة، و لا معنى أيضا لتخصيص قوله: ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ بالمعاصي المستقبلة دون الماضية؛ لأنّ الماضي و المستقبل ممّا يجب التوبة منه، فالّذي حكيناه أوّلا عنه أشفى و أولى [٢] .
- ذََلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ اَلنََّاسُ وَ ذََلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) `وَ مََا نُؤَخِّرُهُ إِلاََّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) `يَوْمَ يَأْتِ لاََ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاََّ بِإِذْنِهِ [هود: ١٠٣-١٠٥].
و قال في موضع آخر: هََذََا يَوْمُ لاََ يَنْطِقُونَ (٣٥) `وَ لاََ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) [٣] .
و في موضع آخر: وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلىََ بَعْضٍ يَتَسََاءَلُونَ (٢٧) [٤] .
و ظاهر هذه الآيات ظاهر الاختلاف، لأنّ بعضها ينبئ عن أنّ النطق لا يقع
[١] سورة هود، الآية: ٣.
[٢] تنزيه الأنبياء و الأئمّة: ٩٦.
[٣] سورة المرسلات، الآيتان: ٣٥-٣٦.
[٤] سورة الصافات، الآية: ٢٧، و سورة الطور، الآية: ٢٥.