نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٦٨ - سورة الأعراف
و تبليغها؛ لأنّ من الواجب على اللّه تعالى أن يحول بين من رام ذلك و بينه؛ و لا يمكّن منه؛ لأنّه ينقض الغرض في البعثة. و يجري ذلك مجرى قوله تعالى:
وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ [١] ؛ فتكون الآيات هاهنا القرآن و ما جرى مجراه من كتب اللّه تعالى التي تحمّلتها الرسل.
و الصرف و إن كان متعلقا في الآية بنفس الآيات فقد يجوز أن يكون المعنى متعلّقا[في الآية بنفس الآيات، فقد يجوز أن يكون المعنى متعلّقا بغيرها]ممّا هو متعلّق بها. فإذا ساغ أن تعلّقه بالثواب و الكرامة المستحقّين على التمسّك بالآيات ساغ أن يعلّقه بما يمنع من تبليغها و أدائها و إقامة الحجّة بها. و على هذا التأويل لا نجعل قوله تعالى: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا راجعا إلى سَأَصْرِفُ بل نردّه إلى ما هو قبله بلا فصل؛ من قوله تعالى: وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ اَلرُّشْدِ لاََ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً على ما بيّناه في الوجه الثاني، من تأويل هذه الآية.
و سادسها: أن يكون الصرف ههنا الحكم و التسمية و الشهادة، و معلوم أنّ من شهد على غيره بالانصراف عن شيء جاز أن يقال[فيه]: «صرفه عنه» ، كما يقال: [أكفره و كذّبه و فسّقه]؛ و كما قال جلّ من قائل: ثُمَّ اِنْصَرَفُوا صَرَفَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ ؛ أي شهد عليها بالانصراف عن الحقّ و الهدى، و كقوله تعالى: فَلَمََّا زََاغُوا أَزََاغَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ ؛ و هذا التأويل طابقه قوله تعالى: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ كََانُوا عَنْهََا غََافِلِينَ ؛ لأنّ الحكم عليهم[بما ذكرنا من التسمية يوجب تكذيبهم و غفلتهم]عن آيات اللّه و إعراضهم عنها.
و سابعها: أنّه تعالى لمّا علم أنّ الذين يتكبّرون في الأرض بغير الحقّ سينصرفون عن النظر في آياته، و الإيمان بها إذا أظهرها على أيدي رسله عليهم السّلام جاز أن يقول: سَأَصْرِفُ عَنْ آيََاتِيَ فيريد سأظهر ما ينصرفون بغير اختيارهم عنه. و يجري ذلك مجرى قولهم: سأبخّل فلانا و أخطّئه، أي أسأله ما يبخل، ببذله و أمتحنه بما يخطئ فيه، و لا يكون المعنى: سأفعل فيه البخل و الخطأ.
[١] سورة المائدة، الآية: ٦٧.