نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨٨ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
حتّى قال عمر بن الخطاب له: بخّ بخّ [١] أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة، و لا يجوز أن يريد بقوله «من كنت مولاه» إلاّ ما تقتضيه مقدّمة الكلام، و إلاّ لم يكن لتقديمها فائدة، فكأنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال: فمن كنت أولى به من نفسه فعليّ أولى به، لتكون المقدّمة مطابقة لما تقدّم ذكره، و ما قصد إليه من الذكر بعد المقدّمة يكون مطابقا لها، و قد علمنا أنه لم يرد بقوله: «ألست أولى بكم منكم بأنفسكم» إلاّ في الطاعة و الاتباع و الانقياد، فيجب فيما عطف عليه أن يكون هذا مراده به، و ذلك لا يليق إلاّ بالإمامة، و استدلّ بعضهم بدلالة الحال في ذلك و هو أنه تعالى أنزل على رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ [٢] فأمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عند ذلك في غدير خم بجمع أصحابه، و قام و أخذ بيد أمير المؤمنين عليه السّلام فرفعها حتّى رأى قوم بياض إبطه، و قال هذا القول مع كلام تقدّم أو تأخّر، و لا يجوز أن يفعل ذلك إلاّ لبيان أمر عظيم، و ذلك لا يليق إلاّ بالإمامة التي فيها احياء معالم الدين دون سائر ما يذكر في هذا الباب ممّا يشركه فيه غيره، و ممّا قد بان و ظهر من قبل.
و قال بعضهم في وجه الاستدلال بذلك انه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما قال «من كنت مولاه فعليّ مولاه» لم يخل من أن يريد بذلك مالك الرق أو المعتق و ابن العم أو يريد بذلك العاقبة، كقوله تعالى: مَأْوََاكُمُ اَلنََّارُ هِيَ مَوْلاََكُمْ [٣] أي عاقبتكم أو يريد بذلك ما يليه خلفه أو قدامه لأنّه قد يراد ذلك بهذا اللفظ أو يراد بذلك مالك الطاعة؛ لأن ذلك قد يراد بهذا اللفظ، فإذا بطلت تلك الأقسام من حيث يعلم أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يرد مالك الرق و لا المعتق أو المعتق، فيجب أن يكون هذا هو
[١] بخ-بوزن بل-كلمة تقال عند المدح و الرضا بالشيء و تكرّر للمبالغة فيقال: بخ بخ، و إذا وصلت خفضت و نوّنت فيقال: بخ بخ و ربّما شدّدت فيقال: بخّ، و العجيب أنّها في المغني لخ لخ، و علّق عليها المحقق قائلا: «هكذا بالأصل» و لم يكلف نفسه عناء البحث عنها، و لعلّه أمر مقصود لتضييع الحقيقة في هذه «اللخلخة» .
[٢] سورة المائدة، الآية: ٦٧.
[٣] سورة الحديد، الآية: ١٥.