نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١١٤ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
و المعنى: أن تسخرا، فـ «ألاّ» زائدة، و دخولها مغيّر للمعنى قبل التأمّل.
و أمّا حملهم طلب التدنّي على الفصاحة على أن يزيدوا حروفا تغيّر ظاهرها المعنى، فالاولى أن يفعلوا ذلك فيما لا يغيّر ظاهر زيادته معنى.
و أظنّ أنّي قد أمليت في بعض كلامي وجها غريبا ينافي زيادة «لا» في قوله تعالى: «و ما منعك ألا تسجد» ، و هو أن يكون المعنى: ما حملك على أن لا تسجد، و دعاك إلى أن لا تسجد؛ لأنّ إبليس ما امتنع من السجود إلاّ بداع إليه و حامل عليه، و الداعي و الحامل إلى أن لا يسجد مانع من السجود، فأورد لفظة «المنع» و يبنى الكلام على معناها، فأدخل لفظة «لا» بناء على المعنى لا اللفظ.
و هذا لطيف من التعلّل.
و يمكن في قوله «ألاّ تسخرا» ما يقارب ذلك من الحمل على المعنى؛ لأنّ الغرض بالكلام إني لا الزمن [١] أن تسخرن مع مشاهدة الشعر الأبيض، فأدخل لفظة «لا» .
و يجوز أن يكون سبب إدخالها أنّ معنى كلامه: إنّي لا ألوم البيض طالبا أن لا تسخرا. و أريد ألاّ يكون ذلك منهنّ؛ لأنّ من يبرأ من لوم البيض على أن يسخرن، فقد يبرأ من أن يلومهنّ طالبا ألاّ يسخرن، فلفظة «لا» هاهنا مفيدة غير زائدة.
و لو تعاطينا ذكر ما نقل من كلام العرب المحمول على المعنى، و ما ورد به القرآن من ذلك لأطلنا.
و من ذلك قوله تعالى: وَ إِذْ بَوَّأْنََا لِإِبْرََاهِيمَ مَكََانَ اَلْبَيْتِ [٢] و لا يقال:
بوّأت لفلان منزلا، و إنّما يقال: بوأته، لكنّه أراد بمعنى بوّأت و هو جعلت؛ لأنّ من بوّء فقد جعل، و قول الشاعر:
جئني بمثل بني بدر لقومهم # أو مثل إخوة منظور بن سيّار
فنصب لفظة «مثل» و لم يعطفها بالجرّ على ما عملت فيه الباء؛ لأنّ
[١] ظ: ألومن.
[٢] سورة الحج، الآية: ٢٦.