الفقه الاسلامي(الرسالة العملية) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٢٥ - تمهيد
تمهيد
كلمة الجهاد تشمل شُعباً كثيرة من السعي، فهي تبدأ من جهاد النفس وهواها، وتنتهي إلى التفرغ لله ضمن هيئات ربانية، والتطوع للقتال في سبيل الله. وتستمر مع السعي الدائب لإقامة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكفاح ضد الظلمة.
والجهاد من أفضل ما يتوسل به المتوسلون إلى الله سبحانه، إذ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [١].
وهكذا نستفيد من هذه الآية أن الجهاد وسيلة إلهية قد تصبح واجبة مفروضة؛ كالجهاد للدفاع عن المسلمين وعن الدين عند الأخطار. وقد تصبح سنة مؤكدة، كالجهاد في سبيل إبلاغ الرسالة، ونشر الدين في الآفاق.
وقد ورد في الحديث الشريف بيان هذا التقسيم الثنائي للجهاد، فقد روى فضيل بن عياض أنه سأل الإمام الصادق عليه السلام: (عَنِ الْجِهَادِ أَ سُنَّةٌ هُوَ أَمْ فَرِيضَةٌ؟.
فَقَالَ عليه السلام:
الْجِهَادُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: فَجِهَادَانِ فَرْضٌ وَجِهَادٌ سُنَّةٌ لَا تُقَامُ إِلَّا مَعَ الْفَرْضِ وَجِهَادٌ سُنَّةٌ فَأَمَّا أَحَدُ الْفَرْضَيْنِ فَمُجَاهَدَةُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ عَنْ مَعَاصِي الله عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ وَمُجَاهَدَةُ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ فَرْضٌ،
وَأَمَّا الْجِهَادُ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ لَا يُقَامُ إِلَّا مَعَ فَرْضٍ، فَإِنَّ مُجَاهَدَةَ الْعَدُوِّ، فَرْضٌ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ وَلَوْ تَرَكُوا الْجِهَادَ لَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ، وَهَذَا هُوَ مِنْ عَذَابِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْإِمَامِ وَحْدَهُ أَنْ يَأْتِيَ الْعَدُوَّ مَعَ الْأُمَّةِ فَيُجَاهِدَهُمْ، وَأَمَّا الْجِهَادُ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ، فَكُلُّ سُنَّةٍ أَقَامَهَا الرَّجُلُ وَجَاهَدَ فِي إِقَامَتِهَا وَبُلُوغِهَا وَإِحْيَائِهَا، فَالْعَمَلُ وَالسَّعْيُ فِيهَا مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ لِأَنَّهَا إِحْيَاءُ سُنَّةٍ.
[١] سورة المائدة، آية: ٣٥.