العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٥ - خبر أبي الزهراء
قرأت قول اللّه في الكتاب # ما أنزل الرّحمن في الأحزاب
لعظم ما فيها من الثّواب # الكفر و الغلظة في الأعراب
و أنا فاعلم من ذوي الألباب # أومن باللّه بلا ارتياب
في عرشه المستور بالحجاب # و الموت و البعث و بالحساب
و جنّة فيها من الثياب # ما ليس بالبصرة في حساب
و جاحم يلفح بالتهاب # أوجه أهل الكفر و السّباب [١]
و دفع رحل الطارق المنتاب # في ليلة ساكتة الكلاب
و لما أحضرناه ذات يوم جنازة، فقلنا له: يا أبا الزهراء، كيف رأيت الكوفة؟ قال: يا ابن أخي، حضرا حاضرا؛ و محلا آهلا؛ أنكرت من أفعالكم الأكيال و الأوزان، و شكل النسوان. ثم نظر إلى الجبانة فقال: ما هذا التلال يا ابن أخي؟ قلت له: أجداث الموتى، فقال: أماتوا أم قتلوا؟فقلت: قد ماتوا بآجالهم ميتات مختلفات. قال: فما ذا ننتظر نحن يا ابن أخي؟قلت: مثل الذي صاروا إليه: فاستعبر و بكى؛ و جعل يقول:
يا لهف نفسي أن أموت في بلد # قد غاب عني الاهل فيه و الولد
و كلّ ذي رحم شفيق معتقد # يكون ما كنت سقيما كالرمد
يا ربّ يا ذا العرش وفّق للرّشد # و يسّر الخير لشيخ مختضد [٢]
ثم لم يلبث إلا يسيرا حتى أخذته الحمى و البرسام [٣] ؛ فكنا لا نبارحه عائدين متفقدين؛ فبينا نحن عنده ذات يوم و قد اشتد كربه و أيقن بالموت، جعل يقول:
أبلغ بناتي اليوم بالصّوى # قد كنّ يأملن إيابي بالغنى [٤]
و قد تمنّين و ما يغني المنى # بأنّ نفسي وردت حوض الرّدى
يا ربّ يا ذا العرش في أعلى السّما # إليك قدّمت صيامي في الظّما
[١] الجاحم: الجمر الشديد الاشتعال.
[٢] مختضد: عاجز.
[٣] البرسام: التهاب في الغشاء المحيط بالرئة.
[٤] الصّوى: مفردها: الصّوة: و هي ما غلظ و ارتفع من الأرض. و قد تكون موضعا.