العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٢ - خبر أبي الزهراء
و حطه عن أتانه، و دعا بالعلف؛ فجعل الأعرابي يقول: أين الليف و النّئيف [١] و الوساد و النجاد؟يعني بالليف: الحصير؛ و بالنئيف عشبة عندهم يقال لها البهمى [٢] و الوساد:
جلد عنز يسلخ و لا يشق و يحشى و برا و شعرا و يتّكأ عليه؛ و النجاد: مسح شعر يستظل تحته. قال: فلما نزع القتب عن الأتان إذا ظهرها قد دبر حتى أضرّت بنا رائحته:
فجعل الأعرابي يتنهد و يقول:
إن تنحضي أو تدبري أو تزجري # فذاك من دءوب ليل مسهر [٣]
أنا أبو الزهراء من آل السّري # مشمّخ الأنف كريم العنصر
إذا أتيت خطّة لم أقسر [٤]
و كان يسمى الأعرابي صلتان بن عوسجة من بني سعد بن دارم، و يكنى بأبي الزهراء، و ما رأيت أعرابيا أعجب منه؛ كان أكثر كلامه شعرا؛ و أمثل أعرابي سمعته كلاما؛ إلا أنه ربما جاء باللفظة بعد الأخرى لا نفهمها؛ و كان من أضجر الناس و أسوئهم خلقا، و إذا نحن سألناه عن الشيء قال: ردّوا عليّ القوس و الأتان! يظن أنا نتلاعب به، و كنا نجتمع معه في مجلس أبي حماد، و ما منا إلا من يأتيه بما يشتهيه، فلا يعجبه ذلك؛ حتى أتيناه يوما بخربز [٥] ، و كانت أمامه، فلما أبصرها تأملها طويلا و جعل يقول:
بدّلت و الدهر قديما بدّلا # من قيض بيض القفر فقعا حنظلا [٦]
أخبث ما تنبت أرض مأكلا
فكنا نقول له: يا أبا الزهراء، إنه ليس بحنظل، و لكنه طعام هنيء مريء، و نحن نبدؤك فيه إن شئت. قال: فخذوا منه حتى أرى!فبدأنا نأكل و هو ينظر لا
[١] النئيف: المأكول.
[٢] البهمى: نبت تجد به الغنم وجدا شديدا ما دام أخضر فاذا يبس هر شوكه.
[٣] النحض: ذهاب اللحم. و الزحر إخراج الصوت أو التنفس بأنين عند عمل أو شدة.
[٤] أقسر: أغلب و أقهر.
[٥] الخربز: البطيخ.
[٦] القيض: قشرة البيضة العليا. و الفقع الرخو من الكمأة.