العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٤٨ - قولهم في الغزل لبعض الأعراب
قال: سمعت أعرابيا يقول: إن لي قلبا مروعا، و عينا دموعا؛ فما ذا يصنع كل واحد منهما بصاحبه، مع أن داءهما، دواؤهما، و سقمهما شفاؤهما؟ و قال أعرابي: دخلت البصرة، فرأيت أعينا دعجا، و حواجب زجّا [١] ، يسحبن الثياب، و يسلبن الألباب.
و ذكر أعرابي امرأة فقال: خلوت بها ليلة يزينها القمر، فلما غاب أرتنيه قلت له:
فما جرى بينكما؟فقال: أقرب ما أحل اللّه مما حرّم الإشارة بغير باس، و التقرب من غير مساس.
و ذكر أعرابي امرأة فقال: هي أحسن من السماء، و أطيب من الماء.
قال: و سمعت أعرابيا يقول: ما أشد جولة الرأي عند الهوى، و فطام النفس عن الصبا؛ و لقد تقطعت كبدي للعاشقين. لوم العاذلين قرطة [٢] في آذانهم، و لوعات الحب جبرات على أبدانهم، مع دموع على المغاني، كغروب السواني [٣] .
و ذكر أعرابي امرأة فقال: لقد نعمت عين نظرت إليها، و شفي قلب تفجع عليها؛ و لقد كنت أزورها عند أهلها؛ فيرحب بي طرفها، و يتجهّمني لسانها. قيل له: فما بلغ من حبك لها؟قال: إني ذاكر لها و بيني و بينها عدوة الطائر، فأجد لذكرها ريح المسك.
و ذكر أعرابي نسوة خرجن متنزهات، فقال: وجوه كالدنانير، و أعناق كأعناق اليعافير [٤] ، و أوساط كأوساط الزنابير، أقبلن إلينا بحجول تخفق، و أوشحة تعلق، و كم أسير لهنّ و كم مطلق.
قال: و سمعت أعرابيا يقول اتبعت فلانة إلى طرابلس الشام؛ و الحريص جاحد،
[١] الزج: الدقيقة.
[٢] قرطة: جمع قرط.
[٣] الغروب: جمع غرب، و هو الدلو؛ و السواني: جمع سانية، و هي ما سقي عليه من بعير و غيره.
[٤] اليعافير: جمع يعفور، و هو ولد البقرة الوحشية.