العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٤٩ - قولهم في الغزل لبعض الأعراب
و المضل ناشد؛ و لو خضت إليها النار ما ألمتها.
قال: و سمعت أعرابيا يقول: الهوى هوان و لكن غلط باسمه، و إنما يعرف من يقول، من أبكته المنازل و الطول.
و قال أعرابي: كنت في شباب أعضّ على الملام، عضّ الجواد على اللجام، حتى أخذ الشيب بعنان شبابي.
و ذكر أعرابي امرأة فقال: إن لساني لذكرها لذلول، و إن حبّها لقلبي لقتول، و إن قصير الليل بها ليطول.
وصف أعرابي نساء ببلاغة و جمال، فقال: كلامهنّ أقتل من النبل، و أوقع بالقلب من الوبل بالمحل؛ فروعهنّ أحسن من فروع النخل.
و نظر أعرابي إلى امرأة حسناء جميلة تسمى ذلفاء، و معها صبي يبكي، فكلما بكى قبلته؛ فأنشأ يقول:
يا ليتني كنت صبيّا مرضعا # تحملني الذّلفاء حولا أكتعا [١]
إذا بكيت قبّلتني أربعا # فلا أزال الدهر أبكى أجمعا
و أنشد أبو الحسن علي بن عبد العزيز بمكة لأعرابي:
جارية في سفوان دارها # تمشي الهوينا مائلا خمارها [٢]
قد أعصرت أو قد دنا إعصارها # يطير من غلمتها إزارها [٣]
العتبي قال: وصف أعرابي امرأة حسناء، فقال: تبسم عن خمش اللثات [٤] ، كأفاحي النبات، فالسعيد من ذاقه، و الشقي من راقه.
و قال العتبي: خرجت ليلة حين انحدرت النجوم و شالت أرجلها؛ فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر، فإذا بجارية كأنها علم، فجعلت أغازلها، فقالت: يا هذا، أمالك ناه من كرم، إن لم يكن لك زاجر من عقل!قلت: و اللّه ما يراني إلا
[١] حولا أكتع، أي تاما.
[٢] سفوان: ماء على قدر مرحلة من باب المربد بالبصرة.
[٣] المعصر: التي قد بلغت عصر شبابها و أدركت.
[٤] لثة خمشة: حسنة دقيقة.