العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣٢ - من أرتج عليه في خطبته
و خطب معاوية بن أبي سفيان لما ولي، فحصر [١] ، فقال: أيها الناس، إني كنت أعددت مقالا أقوم به فيكم فحجبت عنه؛ فإن اللّه يحول بين المرء و قلبه؛ كما قال في كتابه؛ و أنتم إلى إمام عدل، أحوج منكم إلى إمام خطيب؛ و إني آمركم بما أمر اللّه به و رسوله، و أنهاكم عما نهاكم اللّه عنه و رسوله، و أستغفر اللّه لي و لكم.
و صعد خالد بن عبد اللّه القسري المنبر فأرتج عليه، فمكث مليا لا يتكلم؛ ثم تهيأ له الكلام فتكلم، فقال: أما بعد، فإن هذا الكلام يجيء أحيانا و يعزب [٢] أحيانا، فيسح عند مجيئه سيبه [٣] ، و يعزّ عند عزوبه طلبه؛ و لربما كوبر فأبى، و عولج فنأى؛ فالتأني لمجيّه، خير من التعاطي لأبيّه، و تركه عند تنكره، أفضل من طلبه عند تعذره؛ و قد يرتج على البليغ لسانه، و يخلج من الجريّ جنانه؛ و سأعود فأقول إن شاء اللّه.
و صعد أبو العنبس منبرا من منابر الطائف، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أما بعد... فأرتج عليه، فقال: أ تدرون ما أريد أن أقول لكم؟قالوا: لا. قال: فما ينفعني ما أريد أن أقول لكم؟ثم نزل.
فلما كان في الجمعة الثانية صعد المنبر و قال: أما بعد؛ فأرتج عليه؛ فقال: أ تدرون ما أريد أن أقول لكم؟قالوا: نعم. قال: فما حاجتكم إلى أن أقول لكم ما علمتم؟ثم نزل.
فلما كانت الجمعة الثالثة قال: أما بعد؛ فأرتج عليه، قال: أ تدرون ما أريد أن أقول لكم؟قالوا: بعضنا يدري، و بعضنا لا يدري. قال: فليخبر الذي يدري منكم الذي لا يدري!ثم نزل.
و أتى رجل من بني هاشم اليمامة، فلم اصعد المنبر أرتج عليه؛ فقال: حيّا اللّه هذه الوجوه و جعلني فداءها: قد أمرت طائفي بالليل ألا يرى أحدا إلا أتاني به؛ و إن
[١] الحصر: العيّ في الكلام.
[٢] يعزب: يغيب.
[٣] يسحّ سيبه: أي يهطل مطره.