العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧٣ - و مما ذكر لعبيد اللّه بن زياد عند معاوية
و بئس الرفيق، و دب الوشاة بموت زياد، فكلهم متحفّز للعداوة، و قد قلّص الإزرة [١] ، و شمّر عن عطافه [٢] ، ليقول؛ مضى زياد بما استلحق به، و ولّى على الدنية من مستلحقه. فليت أمير المؤمنين سلم في دعته، و أسلم زيادا في ضعته، فكان ترب عامّته، و واحد رعيّته، فلا تشخص إليه عين ناظر و لا أصبع مشير، و لا تذلق [٣] عليه ألسن كلمته حيا و نبشته ميتا، فإن تكن يا أمير المؤمنين حاببت زيادا بولاء رفات، و دعوة أموات، فقد حاباك زياد بجدّ هصور و عزم جسور، حتى لانت شكائم الشّرس، و ذلت صعبة الأشوس، و بذل لك يا أمير المؤمنين يمينه و يساره، تأخذ بهما المنيع، و تقهر بهما البزيع [٤] ، حتى مضى و اللّه يغفر له؛ فإن يكن زياد أخذ بحق فأنزلنا منازل الأقربين يا أمير المؤمنين نمشي الضّرّاء [٥] و ندبّ الخفاء [٦] ، و لنا من خيرك أكمله، و عليك من حوبنا [٧] أثقله، و قد شهد القوم، و ما ساءني قربهم ليقرّوا حقا، و يردّوا باطلا؛ فإنّ للحقّ منارا واضحا، و سبيلا قصدا؛ فقل يا أمير المؤمنين بأي أمريك شئت، فما نأرز [٨] إلى غير جحرنا، و لا نستكثر بغير حقنا، و أستغفر اللّه لي و لكم.
قال: فنظر معاوية في وجوه القوم كالمتعجب، فتصفّحهم بلحظه رجلا رجلا و هو متبسم، ثم اتجه تلقاءه و عقد حبوته و حسر عن يده و جعل يومئ بها نحوه، ثم قال معاوية:
الحمد للّه على ما نحن فيه؛ فكل خير منه، و أشهد أن لا إله إلا اللّه؛ فكل شيء خاضع له، و أنّ محمدا عبده و رسوله، دلّ على نفسه بما بان عن عجز الخلق أن يأتوا بمثله، فهو خاتم النبيين، و مصدّق المرسلين، و حجة رب العالمين، صلوات اللّه عليه و سلامه و بركاته، أمّا بعد، فرب خير مستور، و شر مذكور، و ما هو إلا السهم الأخيب لمن طار به، و الحظ المرغب لمن فاز به، فيهما التفاضل، و فيهما التغابن، و قد
[١] الإزرة: الاتزار.
[٢] العطاف: الرداء.
[٣] ذلق اللسان: ذرب و حد.
[٤] البزيع: السيد.
[٥] الضراء: الشجر الملتف.
[٦] دبّ الخفاء: المكر و الخديعة.
[٧] الحوب: الإثم.
[٨] يقال: أرزت الحية إلى جحرها، إذا لاذت به و رجعت إليه.