العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧١ - و خطبة أيضا لمعاوية
أما بعد فإني و اللّه ما وليتها بمحبة علمتها منكم و لا مسرّة بولايتي، و لكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة، و لقد رضت لكم نفسي على عمل ابن أبي قحافة، و أردتها على عمل عمر، فنفرت من ذلك نفارا شديدا؛ و أردتها مثل ثنيّات [١] عثمان، فأبت عليّ؛ فسلكت بها طريق لي و لكم فيه منفعة: مؤاكلة حسنة، و مشاربة جميلة؛ فإن لم تجدوني خيركم فإني خير لكم ولاية؛ و اللّه لا أحمل السيف على من لا سيف له، و إن لم يكن منكم إلا ما يستشفى به القائل بلسانه، فقد جعلت ذلك له دبر أذني و تحت قدمي؛ و إن لم تجدوني أقوم بحقكم كله فاقبلوا مني بعضه، فإن أتاكم مني خير فاقبلوه، فإن السيل إذا زاد عنّى، و إذا قلّ أغنى [٢] ؛ و إياكم و الفتنة، فإنها تفسد المعيشة، و تكدّر النعمة. ثم نزل.
خطبة أيضا لمعاوية
حمد اللّه و أثنى عليه، ثم صلى على النبي صلّى اللّه عليه و سلم، ثم قال:
أما بعد، أيها الناس، إنا قدمنا عليكم، و إنما قدمنا على صديق مستبشر، أو على عدو مستتر، و ناس بين ذلك ينظرون و ينتظرون فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهََا رَضُوا وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهََا إِذََا هُمْ يَسْخَطُونَ [٣] و لست واسعا كلّ الناس؛ فإن كانت محمدة فلا بدّ من مذمة، فلونا هونا إذا ذكر غفر؛ و إياكم و التي إن أخفيت أوبقت ، و إن ذكرت أوثقت. ثم نزل.
و خطبة أيضا لمعاوية
صعد منبر المدينة، فحمد اللّه و أثنى، ثم قال:
يا أهل المدينة، إني لست أحب أن تكونوا خلقا كخلق العراق؛ يعيبون الشيء و هم فيه، كل امرئ منهم شيعة نفسه، فاقبلونا بما فينا فإن ما وراءنا شرّ لكم، و إن
[١] الثنيات: جمع ثنية: الطريق العالي في الجبل.
[٢] أغنى: كفى.
[٣] سورة التوبة الآية ٥٨.