العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٨ - خطب علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه
هم أعلم خلقك بك، و أخوفهم لك، و أقومهم بطاعتك، ليس يغشاهم نوم العيون، و لا سهو العقول؛ لم يسكنوا الأصلاب، و لم تضمّهم الأرحام؛ أنشأتهم إنشاء، و أسكنتهم سماواتك، و أكرمتهم بجوارك، و ائتمنتهم على وحيك، و جنبتهم الآفات، و وقيتهم السيئات، و طهرتهم من الذنوب؛ فلو لا تقويتك لم يقووا، و لو لا تثبيتك لم يثبتوا، و لو لا رهبتك لم يطيعوا، و لولاك لم يكونوا؛ أما إنهم على مكانتهم منك، و منزلتهم عندك، و طول طاعتهم إياك-لو يعانون ما يخفي عليهم لاحتقروا أعمالهم، و لعلموا أنهم لم يعبدوك حقّ عبادتك؛ فسبحانك خالقا و معبودا و محمودا، بحسن بلائك عند خلقك!أنت خلقت ما دبرته مطعما و مشربا، ثم أرسلت داعيا إلينا، فلا الداعي أجبنا، و لا فيما رغّبتنا فيه رغبنا، و لا إلى ما شوّقتنا إليه اشتقنا؛ أقبلنا كلنا على جيفة نأكل منها و لا نشبع و قد زاد بعضنا على بعض حرصا لما يرى بعضنا من بعض، فافتضحنا بأكلها و اصطلحنا على حبها، فأعمت أبصار صالحينا و فقهائنا، فهم ينظرون بأعين غير صحيحة، و يسمعون بآذان غير سميعة، فحيثما زالت زالوا معها، و حيثما مالت أقبلوا إليها، و قد عاينوا المأخوذين على الغرّة كيف فجأتهم الأمور، و نزل بهم المحذور، و جاءهم من فراق الأحبة ما كانوا يتوقعون، و قدموا من الآخرة ما كانوا يوعدون: فارقوا الدنيا و صاروا إلى القبور، و عرفوا ما كانوا فيه من الغرور، فاجتمعت عليهم حسرتان: حسرة الفوت [١] و حسرة الموت، فاغبرت لها وجوههم و تغيرت بها ألوانهم، و عرقت بها جباههم، و شخصت أبصارهم، و بردت أطرافهم، و حيل بينهم و بين المنطق، و إن أحدهم لبين أهله، ينظر ببصره، و يسمع بأذنه؛ ثم زاد الموت في جده حتى خالط بصره، فذهبت من الدنيا معرفته، و هلكت عند ذلك حجته، و عاين هول أمر كان مغطى عليه فأحدّ لذلك بصره؛ ثم زاد الموت في جده حتى بلغت نفسه الحلقوم، ثم خرج من جسده فصار جسدا ملقى لا يجيب داعيا، و لا يسمع باكيا؛ فنزعوا ثيابه و خاتمه، ثم وضّئوه وضوء الصلاة، ثم غسلوه و كفنوه إدراجا في أكفانه و حنطوه، ثم حملوه إلى قبره، فدلوه في حفرته، و تركوه
[١] الفوت: يقال: جعل اللّه رزقه فوت يده: أي حيث يراه و لا يصل إليه.