العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٧ - خطب علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه
الأوهام حدّك؛ حارت الأبصار دون النظر إليك، فلم ترك عين فتخبر عنك كيف أنت و كيف كنت. لا نعلم اللهم كيف عظمتك، غير أنا نعلم أنك حي قيوم، لا تأخذك سنة و لا نوم، لم ينته إليك نظر، و لم يدركك بصر، و لا يقدر قدرتك ملك و لا بشر؛ أدركت الأبصار، و كتمت الآجال، و أحصيت الأعمال، و أخذت بالنواصي و الأقدام، لم تخلق الخلق لحاجة و لا لوحشة ملأت كلّ شيء عظمة، فلا يردّ ما أردت، و لا يعطى ما منعت، و لا ينقص سلطانك من عصاك، و لا يزيد في ملكك من أطاعك؛ كلّ سرّ عندك علمه، و كل غيب عندك شاهده؛ فلم يستتر عنك شيء، و لم يشغلك شيء عن شيء، و قدرتك على ما تقضي، كقدرتك على ما قضيت، و قدرتك على القوي كقدرتك على الضعيف و قدرتك على الأحياء كقدرتك على الأموات؛ فإليك المنتهى و أنت الموعد، لا منجى إلا إليك؛ بيدك ناصية كل دابة، و بإذنك تسقط كلّ ورقة؛ لا يعزب [١] عنك مثقال ذرة؛ أنت الحيّ القيوم؛ سبحانك! ما أعظم ما يرى من خلقك!و ما أعظم ما يرى من ملكوتك!و ما أقلهما فيما غاب عنا منه!و ما أسبغ نعمتك في الدنيا و أحقرها في نعيم الآخرة!و ما أشدّ عقوبتك في الدنيا و ما أيسرها في عقوبة الآخرة!و ما الذي نرى من خلقك، و نعتبر من قدرتك.
و نصف من سلطانك فيما يغيب عنا منه مما قصرت أبصارنا عنه و كانت عقولنا دونه، و حالت الغيوب بيننا و بينه، فمن قرع سنه و أعمل فكره كيف أقمت عرشك، و كيف ذرأت خلقك، و كيف علقت في الهواء سماواتك، و كيف مددت أرضك-يرجع طرفه حاسرا، و عقله مبهورا، و سمعه والها، و فكره متحيرا؛ فكيف يطلب علم ما قبل ذلك من شأنك إذ أنت وحدك في الغيوب التي لم يكن فيها غيرك، و لم يكن لها سواك؟لا أحد شهدك حين فطرت [٢] الخلق، و لا أحد حضرك حين ذرأت [٣]
النفوس، فكيف لا يعظم شأنك عند من عرفك، و هو يرى من خلقك ما ترتاع به عقولهم، و يملأ قلوبهم، من رعد تفزع له القلوب، و برق يخطف الأبصار، و ملائكة خلقتهم و أسكنتهم سماواتك، و ليست فيهم فترة، و لا عندهم غفلة، و لا بهم معصية؛
[١] يعزب: يغيب.
[٢] يقال فطر اللّه العالم: أوجده ابتداء.
[٣] يقال: ذرأ اللّه الخلق: أي خلقهم.