العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦١ - خطب علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه
القيظ؛ أملهنا حتى ينسلخ عنا الحرّ!و إذا أمرتكم بالمسير إليهم ضحى في الشتاء، قلتم:
[صبارّة القرّ] [١] أمهلنا حتى ينسلخ عنا هذا القرّ!كل هذا فرارا من الحرّ و القرّ؛ فأنتم و اللّه من السيف أفرّ!يا أشباه الرجال و لا رجال!و يا أحلام [٢] أطفال و عقول ربات الحجال!وددت أنّ اللّه أخرجني من بين أظهركم، و قبضني إلى رحمته من بينكم، و أني لم أركم و لم أعرفكم!معرفة و اللّه جرّت و هنا![لقد ملأتم قلبي قيحا] و وريتم و اللّه صدري غيظا، و جرعتموني الموت أنفاسا، و أفسدتم عليّ رأيي بالعصيان و الخذلان، حتى قالت قريش: إنّ ابن أبي طالب شجاع و لكن لا علم له بالحرب!للّه أبوهم!و هل منهم أحد أشدّ لها مراسا و أطول تجربة مني؟لقد مارستها و أنا ابن عشرين، فها أنا ذا الآن قد نيّفت على الستين، و لكن لا رأي لمن لا يطاع! و خطبة له رضي اللّه عنه، قام فيهم فقال:
أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم!كلامكم يوهي الصم الصّلاب و فعلكم يطمع فيكم عدوّكم؛ تقولون في المجالس كيت و كيت؛ فإذا جاء القتال قلتم:
[حيدي] [٣] حياد ما عزت دعوة من دعاكم؛ و لا استراح قلب من قاساكم؛ أعاليل بأباطيل؛ و سألتموني التأخير؛ دفاع ذي الدّين الممطول؛ ألا[لا]يدفع الضيم الذليل، و لا يدرك الحقّ إلا بالجدّ. أيّ دار بعد داركم تمنعون؟أم مع أي إمام بعدي تقاتلون؟المغرور و اللّه من غررتموه؛ و من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب!أصبحت و اللّه لا أصدّق قولكم؛ و لا أطمع في نصرتكم؛ فرّق اللّه بيني و بينكم، و أعقبني بكم من هو خير لي منكم!وددت و اللّه أن لي بكل عشرة منكم رجلا من بني فراس بن غنم، صرف الدينار بالدرهم! و خطب إذا استنفر أهل الكوفة لحرب الجمل، فأقبلوا إليه مع ابنه الحسن رضي اللّه عنهم، فقام فيهم خطيبا فقال:
[١] القرّ: البرد.
[٢] أحلام: عقول.
[٣] حبدي: ميلي، يريد تنحي عني أيتها الحرب.