الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٤٠٤ - الاستدلال على نفي التحيّز و التمكّن عنه تعالى
بالاستقلال يحتاج في وجوده إلى غيره، وكلّ ما هو كذلك فهو معلول مصنوع لغيره كما مرّ، وكلّ ما هو كذلك لا يكون مبدءً أوّلًا؛ بل يكون مخلوقاً لمبدأ آخر، هذا خلف، ولا سبيل إلى الأوّل[١]؛ لأنّ الوضعي الموجود بالاستقلال منقسم بالقوّة بأيّ نحو كان من أنحاء الانقسام إلى أجزاء مقداريّة لا إلى نهاية لها، أو ينتهي إلى ما هو كذلك؛ لاستحالة الجوهر الفرد، وكلّ منقسم بالقوّة إلى أجزاء مقداريّة يكون له أجزاء متشاركة في المهيّة، ومشاركة للكلّ فيها، فيكون له مهيّة كلّيّة مشتركة بين أجزائه الفرضيّة المتباينة بالوضع، وكلّ ما يكون له مهيّة كلّيّة مشتركة بينه وبين غيره يكون وجوده زائداً على ذاته؛ لأنّ الكلّي مبهم، والمبهم لا يوجد ما لم يتعيّن ولم يصر جزئياً حقيقياً، فنفس الكلّي غير وجوده وتعيّنه وإن كان تعيّنه نحو وجوده الخاصّ به، فحينئذٍ لم يكن ذاته من حيث هي مصداقاً للوجود والموجوديّة، وكلّ ما هو كذلك لم يكن في نفسه وفي حدّ ذاته موجوداً، بل يكون في مرتبة ذاته ونفسه خالياً عن الوجود، محتاجاً إلى فاعل وجاعل يجعله موجوداً كما مرّ في بيان احتياج الممكن إلى المؤثّر، وذلك الجاعل لا يمكن أن يكون نفسه؛ لاستحالة تقدّم الشيء، أو توقّفه على نفسه، فيكون غيره، ومعلول الغير لا يكون مبدءً أوّلًا، بل يكون مخلوقاً ذا مبدء، هذا خلف، فمبدأ الأوّل لا يصحّ عليه الإحساس، فثبت أنّ الربّ لا يكون محسوساً. وهذا إنّما يدلّ على عدم إحساسه تعالى بالحواسّ الظاهرة، كما هو المتبادر من الإحساس، وهو المطلوب هنا، ولا يدلّ على عدم كونه موهوماً.
و ثانيهما: أنّه قد ثبت بالبراهين السابقة أنّ الربّ واجب الوجود بالذات، والواجب بالذات مجرّد عن المادّة وعلائقها، بمعنى أنّه ليس بجسم ولا جسماني، والمجرّد لا يمكن إحساسه بشيء من الحواسّ الظاهرة والباطنة؛ لانحصار المحسوسات في الجزئيات المادّيّة، سواء كانت صوراً جزئيّة أو معانَي[٢] جزئيّة مادّيّة، فالربّ لا يمكن إحساسه بشيء منها.
[١]. في النسخة:« معانياً».
[٢]. كذا.