الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٦٠٢ - المسألة الخامسة أنّه تعالى لا يكون متّحداً مع غيره
و الاتّحاد بالمعنى المختصّ بالجسمانيات كالاتّصال وما في معناه لا يجري في الواجب؛ لما ثبت من تجرّده وتنزّهه عن لوازم الأجسام، وإن اريد به معنىً آخر، فلا يمكن إثباته ولا نفيه إلّابعد تصويره.
وقال صاحب المطارحات بعد نفي الاتّحاد:
بلى لا مانع عن أمرٍ أقُولُه وهو أنّ النفس وإن لم تكن في البدن لكن لمّا كان بينهما وبين البدن علاقةٌ شديدةٌ أشارت إلى البدن ب «أنا» حتّى أنّ أكثر النفوس نسيت أنفسَها وظنّت أنّ هويّاتها هي البدن، كذلك[١] لا مانع من أن يحصل للنفس مع الباري[٢] علاقةٌ شوقيّةٌ نوريّةٌ لاهوتيّةٌ يحكم عليها شعاعٌ قيّوميٌ طامسٌ يمحو عنها الالتفات إلى شيء بحيث تشير إلى مبدئها ب «أنا» إشارةً روحانيّة، فيستغرق الإنّيات [في النور الأقهر الغير المتناهي][٣] انتهى.
و أقول: هذا معنى قول المحقّقين من الصوفيّة: إنّ السالك إذا انتهى سلوكه إلى اللَّه تعالى وفي اللَّه، استغرق[٤] في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحلّ ذاته في ذاته، وصفاته في صفاته، ويغيب عن كلّ ما سواه، ولا يرى في الوجود إلّااللَّه. وهذا الذي يسمّونه الفناء في التوحيد، وإليه يشير الحديث القدسي: أنّ العبد لا يزال يتقرّب إليّ حتّى [احبّه فإذا] أحببته كنت سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر[٥]. وحينئذٍ ربّما يصدر عنه عبارات تشعر بالحلول والاتّحاد؛ لقصور العبارة عن تلك الحال، وتعذّرِ الكشف عنها بالمقال، وليس ذلك منهما في شيء أصلًا، ونحن على ساحل التمنّي نغترف من بحر التوحيد بقدر الإمكان،
[١]. في المصدر:« فكذلك».
[٢]. في المصدر:« المبادئ».
[٣]. كتاب المشارع والمطارحات، في المشرع السابع( مجموعه مصنّفات شيخ اشراق)، ج ٢، ص ٥٠١- ٥٠٢ وما بين المعقوفين منه.
[٤]. في شرح المقاصد:« يستغرق».
[٥]. تقدّم تخريجه في ص