الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٤٥٤ - الطريق الأوّل
الثاني: ما يستفاد من كلام الرئيس من أنّه يلزم أن يكون ذلك المعلوم معلوماً مرّات غير متناهية، فإن قال قائل بمنع بطلان اللازم، قلنا: نعلم أنّه ليس في قوّة هذا الإدراك أن ينفصل إلى إدراكات كثيرة.
الثالث: أنّه معلوم ظاهر أنّ كلّ ما يظهر من كلّ فهو أكثر ممّا يظهر من جزئه، فلو أدركت قوّة جسمانيّة أمراً غير منقسم، وأدرك كلّ جزء منها هذا الأمر بعينه، لزم أن يكون ما ظهر من الجزء مثل ما ظهر من الكلّ، وإذا بطل الاحتمال الأوّل والثاني تعيّن الثالث، وهو أن يكون ما يدركه بعض القوّة الجسميّة بعضاً ممّا يدركه كلًاّ فلم يكن ما تدركه القوّة الجسميّة أمراً غير قابل للقسمة، وإذا كان ما يدركه[١] القوّة الجسميّة منقسماً كان كلّ جزء من القوّة مدركاً لجزء من ذلك الأمر، كلّ جزء بإزاء جزء منقسم بانقسامه كأنّه منطبق عليه، فلم يلزم محذور.
فظهر وثبت أنّ القوّة الجسميّة لا تدرك الأمر الغير المنقسم أصلًا، ولا ريب أنّ النفس الإنسيّة تدرك[٢] كثيراً من الامور المعقولة الغير المنقسمة، فإنّا نعلم ضرورة أنّا نعلم امورَ كثيرةٍ مفهومات، ومعاني عديدة لا يقبل شيء منها قسمة أصلًا، مثل معنى الحصول والشيئيّة، والإمكان والوجوب، والنسبة والإضافة، والثبوت والتحقّق، والنفي والسلب، ومعنى كلمة «لا» والرجحان والزيادة والنقصان، والمرّة والكرّة والأفضليّة والتفضيل، والتجرّد والضمّ، والاشتراط والإفاضة، والعلّيّة والمعلوليّة، والوحدة والأوّل والآخر.
وبالجملة، معلوم بالضرورة أنّ في معلوماتنا اموراً[٣] ومعانيَ غير قابلة للقسمة أصلًا بوجه، فالنفس الإنسيّة قوّة مجرّدة لا أمر جسماني، وإلّا لم تكن[٤] مدركة لها أصلًا.
ثمّ تلك النفوس المجرّدة الإنسيّة ليست بواجبة بالذات.
أمّا أوّلًا فلما مرّ من أنّ كلّ نفس إذا رجعت وجدانها تعلم أنّ لها أمراً أو ذاتاً تتّكل
[١]. في النسخة:« يدركه».
[٢]. في النسخة:« يدرك».
[٣]. في النسخة:« امور».
[٤]. في النسخة:« لم يكن».