الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٤٥٣ - الطريق الأوّل
إدراك، فإذا أدركت قوّة جسمانيّة أمراً، لزم أن يدركه بأجزائها، فيكون لكلّ جزء من تلك القوّة إدراك، وإلّا لم يكن القوّة بتمامها مدركة، أو لم يكن القوّة مدركة أصلًا، هذا خلف.
فالذي يدركه الجزء ويعلمه إمّا أن يكون خارجاً عمّا يعلمه الكلّ ويدركه، أو عينه، أو جزءه، فعلى الأوّل لم يكن القوّة بتمامها مدركاً عالماً[١] بهذا المعلوم، وبطلانه ظاهر.
وعلى الثاني- وهو أن يكون كلّ جزء مدركاً عالماً بتمام المعلوم بعينه- يلزم محذورات ومحالات:
الأوّل: ما ذكره بعض المحقّقين من أنّه على هذا التقدير يلزم أن لا يكون ذلك المدرك المعلوم معلوماً[٢] أصلًا؛ فإنّه إذا كانت القوّة الجسمانيّة مدركة عالمة بذلك المعلوم الغير المنقسم بتمام أجزائها[٣]، كان هذا المعلوم بعينه مدركاً معلوماً لكلّ جزء، ولكلّ جزء من القوّة أجزاء غير متناهية، فأيّ جزء فرض من القوّة أنّه يكون عالماً مدركاً، فعلم ذلك الجزء- لكونه جسمانياً منقسماً بوجوه غير متناهية- إنّما يكون بإدراك أجزائه، وللأجزاء أيضاً أجزاء كذلك، فلا يتصوّر ظهور إدراك جزء؛ لكون ذلك الإدراك يتصوّر بوجوه غير متناهية لا يخصّص بشيء منها، فيلزم حصول الكثير بدون الواحد؛ حيث لا يتصوّر إدراك واحد من جزء واحد؛ إذ كلّ جزء فرض أنّه مدرك عالم لا يمكن أن يظهر منه إدراك واحد؛ لأنّ إدراك هذا الجزء إدراكات غير متناهية بأجزاء غير متناهية بصور غير متناهية لا يخصّص بشيء منها[٤]، فكيف يمكن ويتصوّر أن يوجد واحد لا يمكن أن يوجد ذلك الواحد إلّابامور كثيرة غير متناهية، وكلّ من تلك الامور الغير المتناهية لا يوجد إلّابامور غير متناهية اخرى، وهكذا إلى غير النهاية، فلا يمكن ولا يتصوّر أن يظهر إدراك واحد غير منقسم بعينه من قوّة جسمانيّة يكون كلّ جزء منها مدركاً عالماً بذلك الأمر بعينه.
[١]. كذا. والصواب ظاهراً:« مدركة عالمة»؛ لتطابق الاسم والخبر. كما تقدّم نظيره في السطور السابقة و سيأتى في السطور الآتية.
[٢]. في النسخة:« معلوم».
[٣]. أي أجزاء القوّة الجسمانية.
[٤]. أي من إدراكات غير متناهية.