الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٣٩٩ - تذييل
فقال: «ويلك، إنّ الذى ذَهَبْتَ إليه غلطٌ، هو أيَّنَ الأينَ بلا أينٍ، وكَيَّفَ الكيفَ بلا كيف،
هو العلم بكيفيّته وإنّيّته. وغرضه من ذلك السؤال التوسّل بجوابه إلى نفي الصانع بزعمه؛ لأنّه إن نفى عنه الكيف والمكان- كما هو معتقد أهل الحقّ- فيتمسّك به في نفيه وعدمه؛ لأنّ الموجود عندهم إنّما هو المحسوس، وما لا يناله الحسّ بجوهره ففرض وجوده فرض محال، والمحسوس لا يخلو عن الكيف والمكان، فكلّ ما ليس له كيف ومكان معدوم على زعمهم، فيلزم من نفي الكيف والمكان عنه نفيه على زعمه؛ ولذا لمّا نفى عليه السلام عنه تعالى الكيف والأين، قال الزنديق (فإذاً أنّه لا شيء إذا لم يُدْرَكْ بحاسّةٍ من الحواسّ) ولو قيل بثبوت الكيف والمكان له يتمسّك بنفي احتياجه في الوجود إلى الغير مع كونه كسائر الأجسام متكيّفاً متمكّناً في استغناء الأجسام عن المبدأ، فحينئذٍ لا حاجة إلى وجود الصانع بزعمه.
وقوله عليه السلام: (ويلك إنّ الذي ذَهبتَ إليه غلطٌ) أي ألزمك اللَّه ويلًا وعقاباً، إنّ الذي ذهبت إليه- من أنّ كلًاّ[١] من نفي الكيف والأين عنه، وإثباتهما له يوجب نفيه وعدمه- غلط، بل إنّا نختار ما هو الحقّ من نفيهما عنه؛ لأنّه (أيَّنَ الأَيْنَ، وكَيَّفَ الكَيْفَ بلا كيف) أي أوجد حقيقة الأين، بمعنى أنّه جعل حقيقته وفعلها، وأوجد حقيقة الكيف؛ يعني فعل حقيقته وجعلها بلا مدخليّة الكيف في جعله وإيجاده بأن يكون الكيف معتبراً في جانب علّته؛ يعني يكون ذاته المتّصفة بالكيف علّة لإيجاد الكيف، وإلّا يلزم أن يكون الكيف علّة لنفسه إذا كان الكيف إلّا هو بعينه ما يعتبر في جانب علّته، وهو محال؛ لاستحالة تقدّم الشيء، أو توقّفه على نفسه، أو يلزم التسلسل إذا كان إيجاد كلّ كيف لاحق مسبوقاً بكيف سابق لا إلى النهاية، وهو أيضاً محال كما مرّ بيانه، أو يلزم انتهاء سلسلة إيجاد الكيف إلى كيف غير مسبوق بكيف آخر، وهو المطلوب؛ لأنّه يصدق عليه تعالى حينئذٍ أنّه أوجد الكيف بلا كيف؛ يعني حين كونه
[١]. في النسخة:« كلّ».