الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٣٨٤ - الأصل الثالث
يقل أحد بعد القول بوجوده بأنّه مخلوق لغيره. والزنادقة إنّما جحدوا بلسانهم أصل وجوده، فظهر أنّ كون الصانع غير مصنوع لغيره أجلى وأظهر من أصل وجوده البديهيّ.
وأيضاً كلّ من له أدنى عقل وتميز حتّى الصبيان المميّزين من كلّ ملل ونحل ما عدا الزنادقة والمعطّلة المتجاهلة بأصل وجوده تعالى إذا سئل عن كون الصانع والخالق للعالم مخلوقاً ومصنوعاً لغيره أم لا، يجيب في بادئ الرأي بلا تأمّل وفكر بأنّ خالق العالم غير مخلوق لغيره وهذا معنى قول المحقّقين حيث قالوا: «معرفة صانع العالم بديهيّ، وإنّما يحتاج إلى البرهان إثبات كونه واجباً لذاته» وقد صرّح بعضهم بذلك حيث قال: «وجود الإله الأوّل الحقّ بديهيّ» وقال بعضهم:
إنّا نعلم بالحدس أنّ الصانع لمثل هذا العالم لا يكون إلّاغنيّاً مطلقاً يفتقر إليه كلّ شيء، ولا يفتقر هو إلى[١] شيء. نقل عن بعض التّجار أنّه قال: سألت جمعاً من صبايا أهل الكفر من امم مختلفة كان سنّ كبيرهم اثني عشر سنة، وقلت بألسنتهم:
مَن خالق الربّ؟ فتعجّب كلّ واحدة منهنّ من هذا السؤال غاية التعجّب، وأسندت بعضهنّ هذا السؤال إلى الهذيان، وأجابت عنّي كلّ واحدة منهنّ بجواب، فقالت إحداهنّ: الربّ خالق؟ وضحكت اخرى، وقالت لصاحبتها: اسمعي ما يقول هذا، يقول: مَن خالق الربّ؟ وقال لي اخرى: أتزعم أنّي لست بإنسان تسألني مثل هذا السؤال؟ ظاهرٌ أنّه ليس للربّ خالق، وقالت اخرى: كيف يكون الربّ مخلوقاً وهكذا. انتهى.
فظهر أنّ العلمَ بوجود المبدأ الأوّل وصانع العالم الذي ليس بمخلوق لغيره بديهيٌّ فطري. والوساوس والأوهام والشبهات الموهم لنظريّته (ظ) وهذه التنبيهات وأمثالها ممّا لا يخفى على اولي النهى بكشف الغطاء عن هذه المخدّرة لمن له أدنى بصيرة. وكذا ظهر أنّ كلّ ما هو مصنوع ومعلول لغيره هو من العالم ومغاير للصانع بالبديهة.
[١]. في النسخة:« إليه».