الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٣٦٩ - الأصل الثاني
وجوده لا يوجب وجوده إلّا بالبرهان.
والتوحيدُ الذي بعث الأنبياء كلّهم لدعوة الخلق إليه ليقولوا: «لا إله إلّااللَّه» إنّما هو التوحيد الشرعي الذي عبارة عن نفي الشريك في استحقاق العبادة وغاية الخضوع والتذلّل، فإنّ المشركين كعبدة الكواكب والأصنام يعتقدون أنّها آلهة، بمعنى أنّها مستحقّة للعبادة باعتبار أنّها شفعاءُ لهم بزعمهم عند ربّ الأرباب، وإله الآلهة الذي هو الصانع الواحد للعالم، ووسائطُ بينهم وبينه تعالى. وهذا ممّا لا يستقلّ العقل بمعرفته لا بالبديهة ولا بالنظر، ويحتاج إلى تعليم الشارع.
وأمّا وحدة صانع العالم فبديهيّ مركوز في الأذهان كوجوده، لا ينكره أحد ممّن يعتدّ به، وهي «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها»[١] ولذلك قال اللَّه تعالى: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ»[٢].
والثنويّة لعنهم اللَّه يكابرون بألسنتهم لمقتضى عقولهم، ويجحدون للشبهة الطارئة لهم ما في قلوبهم، وهل هذا الإنكار بالنسبة إلى بعضهم كإنكار بعض الزنادقة خذلهم اللَّه تعالى أجمعين في أصل وجوده تعالى إلّاكالوسواس في النيّة؟ وأدنى تنبيه يكفيهم في رفع وسواسهم وإقرارهم بالحقّ إن لم يعاندوا ويجادلوا بألسنتهم.
على أنّ طائفة كثيرة ممّن يحذو حذوهم- من القائلين بوجود الأصلين من النور والظلمة ويزدان وأهرمن- قائلون بوحدة صانع الكلّ؛ فإنّ المجوس الأصليّة زعموا أنّ النور أزلي، والظلمة محدثة مخلوقة للنور، والكيومرثيّة أثبتوا أصلين: يزدان وأهرمن، وقالوا: «يزدان أزلي قديم، وأهرمن محدث مخلوق» قالوا: «إنّ يزدان فكّر في نفسه أنّه لو كان له منازع كيف يكون، وهذه الفكرة رديئة غير مناسبة لطبيعة النور، فحدث الظلام من هذه [الفكرة][٣]، وسمّي أهرمن، فكان مطبوعاً على الشرّ والفتنة والفساد والضرر والإضرار».
[١]. الأنعام( ٦): ٧٩.
[٢]. لقمان( ٣١): ٢٥؛ الزمر( ٣٩): ٣٨.
[٣]. أثبتناه من الملل والنحل.