الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٣٥٠ - دلالة الأفعال الحادثة المتقنة على علمه تعالى
وأقول: الحقّ أنّ هذه الحيوانات ليست موجدة لتلك الآثار، وإنّما تكون مباشرة لها ومعدّات، لكن هذا أيضاً يقتضي علمها كدلالة البناء على علم الباني، وعلم الحيوانات العجم بمعاشها ضروري، والمنازع مكابر.
و ثانيهما: أنّ الفعل الصادر عن الفاعل بالقصد والاختيار لا يتصوّر إلّامع العلم بالمقصود.
ثمّ أقول: الحقّ الحقيق بالتحقيق أنّه تعالى عالم بجميع الأشياء كلّيّاتها وجزئيّاتها على الوجه الجزئي ذواتها وصفاتها وأحوالها بحيث لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء بعلم هو عين ذاته تعالى، بمعنى أنّ ذاته بذاته مبدأ لانكشاف ذاته وسائر الأشياء موجودةً كانت، أو معدومة لذاته على سبيل التفصيل، ولانكشاف الجزئيّات على الوجه الجزئي، فهو عالم بالمبصرات على الوجه الجزئي، وذلك معنى بصره، وعالم بالمسموعات على ذلك الوجه، وذلك معنى سمعه، ونسبة علمه إلى المعلوم قبل وجوده في الخارج كنسبته إليه بعد وجوده لا يتغيّر أصلًا، فعلمه مباين بالحقيقة لعلمِ غيره كعلم الإنسان، ولجميعِ معلوماته ما عدا ذاته؛ لأنّ ذاته المباينة بالحقيقة لجميع الأشياء مبدأ لانكشاف الأشياء لها، وفي الإنسان الصور الحاصلة في الذهن مبدأ لانكشاف ذي الصور له، فعلمه مجهول الكُنْه، ممتنعٌ لغيره تصوّره بالكُنه، واجب بالذات كذاته، وإنّما هو فرد لمفهوم العلم الذي هو مبدأ لانكشاف الأشياء للعالم، وذلك المفهوم عرضي لذلك الفرد ولسائر أفراده، ونسبته إليه تعالى كنسبة الوجود المطلق إلى الوجود الخاصّ الذي هو عين ذاته تعالى، وهذا معنى قول المعلّم الثاني: واجب الوجود وجود كلّه، علم كلّه، قدرة كلّه، إرادة كلّه.
والأحاديث ناطقة بذلك كما سيجيء بيانها إن شاء اللَّه تعالى، فعلمه بذاته علم وعالم ومعلوم، وبغيره علم وعالم ومغاير بالحقيقة للمعلوم، والواقع عبارة عن علمه تعالى وعن الخارج.
وما قيل في شأنه- من أنّ علمه حضوري أو حصولي أو إجمالي، أو علمه بالبعض كعلمه بالمعلول الأوّل تفصيلي، وبما عداه إجمالي، أو لا يعلم الجزئيّات إلّابالوجه الكلّي،