الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٢٨١ - كتاب فضل العلم
كان بينه وبين أخٍ له مماراة في حقّ، فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه، فأبى إلّا أن يرافعه إلى هؤلاء كان بمنزلة الذين قال اللَّه عزّ وجل: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ»[١] الآية[٢] انتهى.
ولا يذهب عليك أنّ هذا الحديث لا يدلّ على الاستثناء المذكور وجواز الأخذ بحكم هؤلاء في صورة عدم التمكّن من الرجوع إلى أهل الحقّ؛ لأنّ السكوت عن حال الرافع إلى هؤلاء في هذه الصورة لا يدلّ [على] جواز الرفع إليهم، على أنّ جواز الرفع إليهم لا يستلزم جواز الأخذ بحكمهم؛ لجواز أن يكون الرفع لأجل تقاصّ حقّه بالاستعانة بحكمهم، لا لجواز الأخذ بحكمهم في هذه الصورة، فلا وجه لتخصيص الحكم مع عموم الدليل وعدم تقييد حرمة التحاكم إليهم بصورة الاختيار. اللّهمّ إلّاأن يحمل قوله على جواز تقاصّ حقّه المعلوم له باستعانتهم، لا أخذه لأجل حكمهم، كما يشعر به قوله: (فيجوز الاستعانة على تحصيل الحقّ بغير القاضي) فتدبّر.
و «الطاغوت» على وزن لاهوت بمنزلة الرَغَبُوتِ والرَهَبُوتِ إلّاأنّه مقلوب؛ لأنّه من طَغَا يَطْغى ويَطْغُو طُغياناً، أي جاوز الحدّ، وكذا طَغِيَ يَطْغى كعَلِم فهو طَغَوْت من الطَغَووت كفَعَلُوت. ولاهوت غير مقلوب؛ لأنّه مِن لاه يليه ليهاً، إذا تستّر وعلا وارتفع. والطاغوت قد يكون واحداً و [قد يكون] جمعاً، والجمع [الطواغيت وهو] كلُّ رأسٍ في الضلال، ومَرَدَةُ أهلِ الكتابِ، سمّي بذلك لفرط طغيانهم، أو لتشبيههم بالشيطان.
ويحتمل أن يكون المراد به هاهنا الشيطان؛ لأنّ التحاكم إلى الجائر هو التحاكم إلى الشيطان من حيث إنّه الحامل عليه.
ويحتمل أن يكون المراد به ما عُبد من دون اللَّه كالأصنام؛ لأنّ التحاكم إلى الجائر
[١]. النساء( ٤): ٦٠.
[٢]. مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، ج ١٣، ص ٣٣٥- ٣٣٦.