الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٢٥٠ - كتاب فضل العلم
و لو قاسَ الجوهَرَ الذي خَلَقَ اللَّهُ منه آدمَ بالنار، كانَ ذلك أكثرَ نوراً وضياءً من النار».
وليعلم أنّ إبليس لم يفعل زائداً على ما يفعله أهل القياس؛ فإنّه لم يكن قياسه في مقابله نصّ بل كان في مقابله ظاهر عموم خصّصه بالقياس، فإنّه سمع الخطاب[١] العامّ لجمع هو أحدهم أن «اسْجُدُوا لِآدَمَ»[٢]، فظنّ أنّه خارج عن المراد وإن كان داخلًا في ظاهر الخطاب بأن قاس نفسه بآدم فيما وقع الخلق منه، وظنّ أنّ علّة الحكم شرف المخلوق منه، ورأى أنّ ما خلق هو منه زائد في الشرف على ما خلق آدم منه، فظنّ أنّ أمره بالسجود له قبيح ليس مراد اللَّه تعالى.
وقوله عليه السلام: (فلو قاس الجوهَرَ الذي خَلَقَ اللَّهُ منه آدمَ بالنار، كان ذلك أكثر نوراً وضياءً من النار) المراد بذلك الجوهر هو نور عظمته الذي خلق منه روح آدم، كما سيجيء في باب خلق أبدان الأئمّة وأرواحهم وقلوبهم.
وبعبارة اخرى هو الجوهر العقلاني الذي خلق اللَّه تعالى منه نفس آدم، ولا شكّ في أنّ ذلك الجوهر أكثر نوراً وضياءً، وأشرف وأكرم وأكمل من الجوهر الذي خلق نفس الشيطان وسائر الجانّ منه ومن النار الذي خلق أبدانهم منه، كيف، ومن أوصافه ما يظهر به ما لا يظهر بالنار كالمعقولات، وبه يظهر كلّ ما يظهر بالنار كالمحسوسات، فهو أكثر نوراً وضياءً من النار.
فحاصل الحديث أنّ القياس وإن كان باطلًا في الدين والشريعة في نفسه، ولم يكن الحكم بسجود آدم إلّالحكمة ومصلحة مخفيّة لا يعلمها إلّااللَّه، ولم يكن علّته شرافة عنصره ومادّته التي خلق منها، كما ظنّه إبليس وقاس وتمرّد، فمع ذلك غلط إبليس في قياسه؛ لأنّ الشرافة إنّما تكون باعتبار النفس لا باعتبار البدن الذي هو آلتها وكالثوب لها، فعلى تقدير تسليم علّية شرافة ما خلق منه للسجود لكان النظر الصحيح يقتضي قياس ما خلق منه نفس آدم على ما خلق منه نفسه، أو على ما هو الأشرف من سنخ نفسه وعنصر بدنه على سبيل التنزّل والمماشاة، ولا شكّ في أنّ ما خلق منه نفس آدم أشرف وأضوأ وأنور
[١]. في النسخة:« خطاب».
[٢]. الأعراف( ٧): ١١، و كذا وردت في آيات اخر.