الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ١٨٠ - كتاب فضل العلم
٤. عليُّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم، عن المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبداللَّه عليه السلام، قال: «إذا رأيتم العالمَ مُحبّاً لدُنياه فَاتّهِموه على دينكم، فإنّ كلَّ محبّ لشيء يَحوطُ ما أحَبَّ».
إلّا أن يقال له: إنّه علّامة ويتبعه الجهّال، ويراجعه السلاطين والامراء ليفتي لهم ما يريدونه من القبائح، فيأكل جوائزهم ويترأّس بقربهم على من لا رئاسة له عليه.
وبالجملة، ليس غرضه من طلب العلم إلّاأن يجعله آلة لتحصيل الدنيا، فليس حظّه ونصيبه منه إلّاالدنيا، وليس له من تحقيق الحقّ والعمل والنجاة حظّ، أو ليس له في الآخرة نصيب وثواب لأجل طلب العلم؛ فتدبّر.
قوله عليه السلام: (إذا رأيتم العالمَ محبّاً لدنياه فاتّهِمُوه على دينكم فإنّ كلّ محبّ لشيء يَحوط ما أحَبَّ)
تقول: اتّهمتُ زيداً على كذا إذا لم تأمنه عليه، وأسأت ظنّك به فيه، ويقال: حاطه حوطاً وحياطة، إذا حفظه وتعهّد أمره وتوفّر على مصالحه، يعني إذا رأيتم العالم محبّاً لدنياه فلم تأمنوه على دينكم وتُسِيؤوا ظنّكم به فيه؛ لأنّ كلّ محبّ لشيء يحفظ ويتعهّد من ذلك الشيء ومن مقابله ما أحبّ، وحبّ أحد المتقابلين المتنافيين يوجب بغض الآخر، فحبّ الدنيا يوجب بغض الآخرة، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «من أحبّ الدنيا وتولّاها أبغض الآخرة وعاداها»[١] وللإشارة إلى ما ذكرناه قال: «يحوط ما أحبّ» ولم يقل: «يحوطه» ولا شكّ في أنّ حفظ الدنيا وتعهّدها لا يجامع في غالب الأوقات إظهار الحقّ والعمل به ممّا يتعلّق به نيل الآخرة وحفظها، فذلك العالم في الغالب يميل إلى الباطل ويقوله، ويعمل به لحفظ دنياه، فلا ينصحكم ولا يراعي جانب دينكم بل يراعي جانب دنياه، فينبغي أن لا يعتمد عليه في أخذ العلوم الدينيّة عنه، وأن لا يعتمد على فتاويه وقضاياه؛ لأنّ كلَّ قول وفعل منه مظنّة كونه من الكثير الغالب الذي هو خلاف الحقّ.
[١]. نهج البلاغة، قصار الحكم، رقم ١٠٣؛ تحف العقول، ص ٢١٢؛ بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ٥١، ح ٨٠.